تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ دلَّ على أن أعظم الظلم هو القول على الله بغير علم، وهذا بيِّن في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (1)﴾ فإن هذه الآية من سورة الأعراف قد ذَكَر الله فيها المعاصي من الأدنى إلى الأعلى، فبدأ بتحريم الفواحش الظاهرة ثم الباطنة ونهى الإثم مطلقًا وعن البغي وظُلم الآخرين وهو أعظم الإثم، ثم حرّم الشرك وهو أعظم من ذلك، ثم جعل أعظم المحرمات هو القول عليه سبحانه بغير علم؛ ذلك بأن القول على الله بغير علم هو أُسُّ ضلال العالِم وفساده، وهذا يُبيّن جرم الإفتاء بالجهل أو الكذب.

وهذه الآية تُبيّن ضلال الأدلة الباطلة، وكذلك تبين ضلال رد أدلَّة الحق، وهذان هما عُمدة الباطل في الوجود، إمّا باجتماعهما أو بانفراد أحدهما، والحق لا يقوم إلا بأدلة الحق في نفسها ونَفْي ما عداها من أدلة الباطل، ولذلك فلكل شيء قوتان، قوة موجبة تؤيده، وقوة سالبة تدفع عنه المخالف، وهذا من عِلْم الحِجاج والمناظرة، فإن كمال كل قول أن يكون له أدلة إثبات له، وأدلة نفي لنقيضه، ولا يستوي ثبات شيء إلا بهاتين القوتين، أما كَوْن النافي قويًا فلا يعني أن ما يُثبته هو الحق كما يستخدم ذلك الكثيرون، فإن نفي المعارض لا يعني ثبوت دليل ما يثبته، إذْ لهذا دليله ولهذا دليله، ولذلك فنفيُ القَدَري لأدلة الجَبْري لا يعني صلاح أدلّته في مذهبه، وكذلك ثبوت دليل الخارجي ضد الرافضي لا يعني ثبوت دليل عقيدته في المُنازع عليه.

قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ دليلٌ على رد جهالات البعض من تصويب الخلاف في الحق، ورد على أعذار المخالفين فيه تحت دعوى نِسبيَّة الحق واحترام الآراء، فإن هذا المذهب الجديد الذي راجَ على أهل الجهل اليوم مع ضلاله ومخالفته للقرآن الكريم إلا أن آثاره وبعض مَعالمه قد غَزَت بعض المسلمين وخاصة المُعانين لِما يُسمّى بـ «الفِكر الإسلامي»، فالفِكرُ والضلال ليس له عذر عند الله ولا حجة لصاحبه في شيء، إنما هو الجهل والتعَنُّت والاستكبار واتباع الهوى، ومثل هؤلاء لا يصلحهم إلا العذاب كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ أي: إن جهنم لا تضيق بهم، بل هي كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (2)﴾

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (3)﴾

(1) الأعراف: 33

(2) ق: 30

(3) العنكبوت: 69

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٧٦