تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن كفرانها عدم أداء حق الله فيها من الواجب المفروض عليها، وقاعدة القرآن في زيادة النعم في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (1)﴾.

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ (2)﴾

هذه عاقبة الظالم الذي كفر بنعمة الله وآمن بالباطل، فإن هذه الآية بيانٌ لحُكْم هؤلاء الذين كفروا بنعمة الله تعالى وقد أتتهم وقت الحاجة وبعد سؤالهم لربهم على وجه الإخلاص، وهي ردٌ على هؤلاء الجهلة في دعواهم الشرك، فإن هؤلاء المشركين يدعون أن لهم سندًا في كفرهم وشكرهم، كدعواهم أن هذا دين الآباء والأجداد، وهو دين إبراهيم كما يزعمون ضَلالًا وافتراءً، أو كزعمهم أن هذا من التحسين العقلي كقولهم: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (3)﴾ وغير ذلك من دعاوى المشركين الباطلة. وواقعُ التاريخ يدلُّ على أنه ما من ضلال في الوجود إلا ولصاحبه مَزاعمٌ يستدلُّ بها على ضلاله، فالتبرير صناعة الجميع ولا يخطؤها أحد، ولكن العبرة بالدليل الحق وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ فإن الحق هو ما جاء به الرسل، وأما غيره فهو الباطل مهما تزيَّن وتجمَّل.

والافتراء على الله وتكذيب الحق هي قاعدة الكفار من أبناء آدم - عليه السلام -، فإن الشيطان لما كفر لم يكن له سبب في كفره إلا الإباء والاستكبار، ولمّا عصى آدم لم يكن له إلا سبب الضعف أمام الشهوة وإغواء الشيطان، لكن الأبناء من بعد آدم يعصون بهذين السببين:

1. ادعاء الحق بالافتراء على الله والزعم أن هذا هو أمر الله وهو ما عليه الآباء.

2. وثانيهما التكذيب بالحق عند قدوم الحُجّة، وهذا الأمر بيِّن في سورة الأعراف لمّا ذكر الله قصة إبليس وآدم، فإن الله قال عن أبناء آدم العصاة: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (4)﴾، وفي هذا دليل على أن مجرد الزعم في إتيان الشرك والمعاصي أن هذا من دين الله ليس عذرًا للخلق، فإن قريش كانت تزعم أنها على دين إبراهيم، وكذلك يزعم اليهود والنصارى في دينهم وكل ذلك لا يُنجيهم، وخاصةً أن حُجة الرسالة بالرسول قد قامت عليهم.

(1) إبراهيم: 7

(2) العنكبوت: 68

(3) الزمر: 3

(4) الأعراف: 28

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٧٥