تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عند الشدة، لكنّ هؤلاء المشركين يؤمنون بهذا الباطل الذي لا يُحقق لهم النجاة عند الحاجة إليها، ويكفرون بالحق الذي يجيبهم عند مُلِمَّاتهم، والباطل هواءٌ لا شيء، وفراغ مُصْمت لا روح فيه، إذْ انتهاء الشيء هو بطلانه فيقال بَطُل، أي: انتهى وانقضى، وهذا هو شأن الآلهة التي تُعبد من دون الله تعالى، فهي مُصْمتة لا روح فيها، وفراغٌ لا أثر له، والمشركون يعانون ويُرهَقون بتقديم النُسك والولاء لها، وهي باطلة لا صلاح فيها عند الحاجة إليها. وهذا القانون في التوحيد هو الهداية لكل قواعد الحياة، إذْ المسلم بريء من الباطل الذي يُقابل الحق، وهو مؤمن بالحق الذي يقابل الباطل، سواء كان في عالم القيم والمبادئ، أو في عالم الوجود والقدر؛ ولذلك أبْطَل الشارع كل الأوهام كالطّيرَة، فإن الناس يُعلقون أمورًا على أسباب لا وجود لها، كالقول بالأنواء في الأمطار والحياة والموت، فإن هذه لا أثر لها في وجود شيء أو عدمه، ولأهمية تحرير المسلم من الوَهم جعل الله هذه من الشرك، وهي في الأديان الباطلة من أصولها، ولذلك فإن المسلم الفقيه بدينه والموحّد لربه هو الإنسان السُنَني الوحيد في الوجود والتاريخ، لكن مذاهب الباطل وخاصة الصوفية وخرافاتها والجَبْرية التي تُحطم قاعدة السُنَن والحقائق غَزَت أهل الإسلام فصاروا إلى ما صاروا إليه من الإيمان بالباطل والكفر بالنعيم، فتجد المقيمين على القبور من العُبّاد المشركين، وتجد الناذِرِين للأموات والجن، ولمّا زعم بعضهم البراءة من الخرافة الصوفية والجَبْرية وذهبوا إلى إحياء الإسلام والتجديد في معالمِه النُسُكية وتحريرها من الخرافة والشرك ووهم الأموات والجن والقبور، وقد أحسنوا، إلا أنهم وقعوا في وديانٍ من البدعة التي لم يُدركوا أمرها، فأخضعوا المسلم لوهم الواقع والاستسلام له، فأوجبوا عليه عدم المنازعة والتدافع، وجعلوا من الدين أن يصبرَ المسلم صبر البهائم مكتفيًا بالدعاء إن قدر عليه! وهذا كله من الباطل والضلال؛ لأن عالم السُنَن له قواعده التي يجب على المسلم أن يأخذ بها مهتديًا بالحق الذي معه من كتاب الله تعالى، ومن عجائب هؤلاء أنهم يُعلّقون الأحداث والوقائع على غير أسبابها التي يعرفها البشر بفطرتهم، ولم يأتِ بها الشرع في أدلَّته، لكنها أوهام آتية كأوهام الخُرافي الذي يُعلِّق نزول المطر على فتح كُوّة في أعلى قُبة القبر المبني على الميت.

قوله تعالى: ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾؛ كُفران النِعَم له صُوَره الكثيرة، منها ما هو من فعل هؤلاء المشركين إذْ تركوا حمد الله وشُكْره على إنقاذهم من البحر، فشكروا غيره الذي لم يُنعم عليهم بشيء.

ومن كُفران النِعَم عدم الإقرار بها كحال نُفاة السُنَن والأسباب، وهؤلاء طوائف متعددة وأقلّهم سوءًا من جعل الأسباب أَمارات على الفعل وليست علةً له، وهم بعض طوائف الجَبْرية كالأشاعرة.

ومن كُفران النعم وضعها في غير موضعها التي تلائمها شرعًا وقدرًا.

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٧٤