وهذه مكّة المكرمة جعلها الله حرمًا آمنًا في وسَطٍ محيط لا يأمن المرء فيه على نفسه، بل يؤخذ ويُسرق ويُقتل ثم لمّا دعى عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُصيبها سنين كسنين يوسف حَصل لهم من البلاء حتى إن أحدهم ليأكل لحم الجِيَف جوعًا، وكذلك لمَّا سلَّط الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى تجارتهم وأموالهم فصاروا إلى شرِ حال لا يأمنون فيه على أموالهم وتجارتهم. وإن من غرائب الأمم أن الأمان لبلادهم يرميهم في الغفلة والشهوة وعدم الخوف من العواقب، فيَسْتَمْرؤون هذا النعيم الذي يرميهم في الترف، ولا ينتبهون إلى تغيُّر أحوال العالم حولهم وترقُّب الآخرين بهم، فيبقون على هذا الحال حتى تأتيهم القاصمة وهم لا يشعرون. وسُنَن قيام الأُمم والممالك والمدن وزوالها من مهمات القرآن، وقد أفاضَ فيها في مواطن متعددة، وهي مما يجب أن يعتني به العقلاء في كلِّ الأُمم، سواءٌ كانت أُمماً ضعيفةً هزيلة أو أُمماً قويةً مُتمكّنة، فالأُمم الضعيفة يجب معرفتها بسُنَن النهضة وكيفية قيام الحضارات حتى تأخذ بهذه الأسباب، والأُممُ المتمكّنَةُ القوية يجب تعريفُ أهلها بهذه السُنَن حتى يجتنبوها ويحذروا منها ويضربوا على يد العابثين فيهم من أهل السفاهة والطيش والتخريف.
ومُسمّى الدول والممالك في الوجود واحد، مُسلمها وكافرها، ولكن الفرق في قيم كل واحد، ولذلك زعم بعض الظاهرية المُعاصرة أن للمسلمين طرقًا حاصة في النهضة وبناء حضارتهم غير سديد وغير موفق وأغلب الذين يصنعون هذه الأفكار هم أهل أوهام وأحلام جميلة لا واقع لها في التاريخ إنما هي فقط في أذهانهم؛ ذلك لأن قيام حضارةٍ ما، يعني أنها غَلَبت أخرى، فالحضارات تتدافع ويجري في وجودها وزوالها عوامل التدافع السُنَني؛ لأن هذه هي قاعدة الحياة، إذْ لا وجود لشيء على معنى الانفراد مع الذات، بل «الكَبَد» هو عنوان الوجود الإنساني، وهو يعني المشقّة والتي ولا وجودَ لها إلا بالتدافع، أمّا هذه الأفكار التي تجري على معنى الجَبْرية في أذهان الحالمين من مشايخ المسلمين اليوم فهي جميلة لدرجة التسامي على الواقع، ومثالية كعالم المثال الذي تصنعه الأحلام.
لكن تتميّز مناهج الأنبياء في القرآن، ومنهج النبي في السير بأنها تُقدم المبدأ على المصلحة، والقيم على المادة، ولذلك هي طريقٌ شاق صعب ولكنه فعّال يؤتي أثره الحقيقي في الواقع، فحضارة الإسلام تقوم في أساسها على تعبيد الناس لربهم، وتخليصهم من دواعي أنفسهم إلى تحقيق رضى الله تعالى، ومع أن هذا هو أبرز سِمَة للمنهج النبوي القرآني إلا أن أهل العصر قد مسخوه حتى صاروا بواقعهم، وتحت دعوى السياسة والحكمة أبعد الناس عنه، بل إن خصوم المسلمين ليأخذون منه أكثر مما يأخذ منه هؤلاء، أقصد الثبات على القيم وعدم المساومة حتى تحقيق الأهداف الكلية.
قوله تعالى: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ هي مقابلةٌ للواقع، فإن الحق هو ما تلتجئ إليه عند الشدة فيجيبك ويُنقذك مما أنت فيه، والباطل هو ما تُعطيه وقت الرخاء ولا يُنجدك