تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

- صلى الله عليه وسلم -، فهذا الكفر لم يقع إلا بشرك لأن حال هذا الكافر هو حال الداخل في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ (1)﴾ فهو إذْ فعل هذا الفعل فقد عَبَد غير الله تعالى بمتابعة أمر الشيطان وأمر هواه الضال، ولذلك فالحق أن لا يقع كفر إلا بشرك، كما لا يقع شرك إلا بكفر.

قوله تعالى: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ فيها قراءتان كما هو معلوم، وذلك إمّا بكسر اللام أو تسكينها، فبكسرها تكون لام التعليل وهي ما ينكرها نُفاة الحكمة والتعليل، ويسمّونها على كل وجه في هذا المعنى بلام العاقبة، فبهذه القراءة يكون المعنى أن الله نجّاهم ليتمتعوا قليلًا ثم سيعلمون أي مستقر. ووجّه ابن كثير كونها لام العاقبة، أي على معنى أن حصول المُتعة هو عاقبة ما حَصل لهم من النجاة وإن لم يقصدوه، فبقَصْد الله في تحقيق نجاتهم كانت لام التعليل، وبفعل الإنسان وما جناهُ بعد النجاة من المتعة كانت لام العاقبة، والشرُّ في نُفاة الحكمة ليس هنا؛ إنما في نفيهم وجود لام التعليل في القرآن؛ لأنهم يعتقدون أن فعل الرب لحكمة يعني عندهم أن الحكمة قاضية على فعل الرب بوجوب فعلٍ دون غيره، وهذا معنى باطل، فإنه - سبحانه وتعالى -: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (2)﴾ لكنه سبحانه كما قال - جلَّ في عُلاه -: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (3)﴾ وهذا باب واسع ليس هذا محله، أمّا على قراءة التسكين، فيكون قوله تعالى: ﴿وَلْيَتَمَتَّعُوا﴾ تهديدًا لهم وتوبيخًا ووعيدًا، وهذه قراءة رجّحها ابن جرير بل جعلها الصواب، وابن جرير في هذا الباب مُخطئ في تصويب قراءةٍ ورَدِّ أخرى، وهو كثيرًا ما يفعل ذلك؛ ذلك لأن كل قراءة مشهورة هي قراءة صحيحة لا تُرَد ولا تُخَطّأ، أمّا الترجيح على معنى الأولى دون الرد فهذا مُحتمل ويفعله المحققون.

قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (4)﴾

وهذا تطمينٌ آخر لأهل الهجرة في سبيل الله تعالى، فإن الأمان للبلاد والديار هو من عطاء الله يكفر به قوم ويشكره آخرون، فكم من ديار كانت وأهلها في خوفٍ وجوع فأسبغ الله عليهم نعمة الأمان والرزق، وكذلك العكس، فإن بلادًا ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (5)﴾ وقد ضرب الله مثلاً للناس في هذا بسبأ في سورةٍ فصّلت أَمْرهم وأحوالهم.

(1) الجاثية: 23

(2) الأنبياء: 23

(3) هود: 56

(4) العنكبوت: 67

(5) النحل: 112

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٧٢