يقصد به عامله الدار الآخرة فلا يجوز أن يسمى عبادة، ولا يجوز لأحدٍ أن ينسب لصاحبه أجرًا أخرويًا.
هذا لا يعني أن عمران الأرض ليس عملًا صالحًا من أعمال الإيمان، لكن أعظم العمران لها أن يعبد الناس فيها ربهم وأن يقيموا أحكامه وشَرْعه في أنفسهم وفي الخلق، فإن أتوا بهذا ثم حققوا لأنفسهم ما يُيسر لهم سُبُل الحياة فهو خيرٌ لهم ولدينهم ولآخرتهم؛ لأن هذا من التحسينات التي أمر الشارع بها، لكن التحسينات لا تُعتبر إذا فُقدت الضرورات وأعظمها الدين الذي أمر الله بإقامته في النفس والخَلْق.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ? لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (1)﴾
هذه حالةٌ من حالات الشذوذ عن الفِطرة في التعامل مع أقدار الله وتقلباتها في الإنسان، وهي تُبيّن ظلم وجهالة هؤلاء القوم، وفي ذلك تحذيرٌ للمؤمنين من الوقوع في هذا المَسلك الظالم في عدم مراقبة الله تعالى في ظروفهم وأحوالهم، بل على المؤمن أن يتقلَّب بين حالة الشكر على النعم والصبر على البلاء، فيحمد الله على نعمائه ويدعوه إن احتاج ووقعَ به ما يضره. وهذه الآية يقولها الله تعالى بعد ذكر الآيات الدالة على النعم التي سَبَغها الله على العبيد، فهو أَمْن المهاجر أن رزقه مدركه، وأن هجرته لا تُقرب موتًا ولا تدفع حياة، فالحديث عن النعم يتبعه تحذيرٌ من صور ضلال الإنسان في التعامل معها، فما الشرك إلا في رد الحمدِ لغير مُستحقه، وسؤال غير الله فيما لا يقدر عليه إلا هو - عز وجل -، هذا مع أن كفر النعم هو أحد كفر الخَلْق في تاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم. ثم في بيان هذه الصورة ردٌ على من ترك أمر الله تعالى مخافة البلاء، فإن المشركين يكونون في بلائهم ومحنتهم عبادًا مخلصين له - سبحانه وتعالى -، وإنما كُفرهم يقع وقت النعيم والأمان، فمن كان هذا حاله فإن البلاء خيرٌ له من النعم. وفي هذه الآية دليل على إجابة الداعي إن أخلصَ في دعائه حتى مع عِلْم الله تعالى بضلال تصوّره واعتقاده فيه - جلَّ في عُلاه -، وهذا من رحمته تعالى للخلق وتحبيبهم له - جلَّ في عُلاه -، ولذلك فأحرى بالمؤمن أن يعتقد أن الله مُجيب دعاءه إن أخلص في السؤال والطلب، فإن الله - سبحانه وتعالى - سميع الدعاء لا يرد سائلًا عن بابه؛ لأنه الكريم، والله هو الحيي، والكريم إن كان حَييًا فإنه لا يرد سائله والمُستغيث به.
قوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ? لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ دلَّ أن الشرك لا يكون إلا بكفر، كما أن الكفر لا يكون إلا بشرك، وأما من حاول التفريق بينهما بحيث يجعل احتمال وقوع أحدهما دون الآخر فهو مخطئ، فهذا المرء لمَّا نجَّاه الله من البحر ذهب فأشرك في عبادته، فهو يحمد سواه، ويُقرب القرابين لآلهته الباطلة، وهذا كفر بحق الله تعالى، لأن الكفر سِتْر ورَدّ، والشِرك فعلُ العبادة لغير الله تعالى، ومثل ذلك ما لو كفر بأن سبّ الله تعالى أو سبّ الرسول
(1) العنكبوت: 65 - 66