النفس بما لا تقتضيه الحكمة، وفي الحديث: ((الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالمًا ومتعلمًا))، فكلُّ أمرٍ خارج هذه الأمور المذكورة ليس من أمر الآخرة في شيء، وكل فعل للآخرة هو الحياة الحقيقية الدائمة الباقية، وقد جعل الله تعالى في هذه الآية مقابل اللهو واللعب العمل الصالح؛ لأنه هو الذي يُحقق الحياة الآخرة والتي هي الحيوان، أي: الحياة الدائمة التي لا انقضاء لها.
هؤلاء المُقيمون في ديارهم وأموالهم وصناعتهم ومشاغلهم ويزعمون أنهم أهل جدِّ فيها، لأنهم يحققون للناس الراحة والسعادة، يحكم القرآن على أفعالهم بحكمٍ واحد ﴿لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾، إذْ كل أمرٍ خلا أمور الآخرة هو عبث لا عاقبة له، والأمور تُقاس بعاقبتها وبآثارها؛ فما هي عواقب هذه الأمور التي يعظمونها؟ الجواب لا شيء. بهذه الآية وغيرها يُعلَم الفارق بين منهجين في الحُكم على الحياة ورجالها وأحداثها، فمنهج الأنبياء هو منهج القيم وأعظمها هو الإيمان بالله تعالى، ومنهج الآخرين هو منهج المتعة والراحة، فكل شيء يصنعه صانع من البشر يحقق للإنسان الراحة وتسهيل حياته ومُتعته هو ما يستحق الإشادة والتقدير، أمّا القيم فهي باب متأخر عند هؤلاء، ولذلك يقارِن أحدهم بين الخطيب الذي يُحذِّر سامعيه من غضب الله بأكل الربا أو اقتراف الزنا، وبين صانع الكهربائي، فيجعل الثاني هو الأحق برحمة الله ودخول الجنان على الأول، غير آبهٍ بقيمة الإيمان ومِعْياره في الحكم على الناس والأحداث والتاريخ، وهكذا قد غَزَت هذه الأحكام عقول المسلمين، وهم لا ينتبهون لها انتباههم إلى اختلاف الأحكام الشرعية الفقهية مع أن أحكام الجاهلية، فإن قلتَ لمسلم أن يختار بين حكم الله في الخمر أو حكم الجاهلية، لمّا تردد في اختيار حكم الله تعالى وَرَدِّ حكم الجاهلية، لكن تجد الكثير من هؤلاء المسلمين، حتى بعض العاملين لإحياء الإسلام وإزالة غربته يُعظمون الناس والأحداث على أساس قيم الجاهلية ومناهجها كما تقدَّم المثال بذلك. ولذلك قد يتساءلون كيف لرجل راعٍ لا يُتقن إلا رعاية غنمه، ولا يعلم من الحياة شيئًا إلا ذلك وهو عابدٌ لربه ذاكرًا له، مقيم لصلاته وشَرْعه وهو من أهل الجنة والداخلين في رحمة الله. هم يرون أحدهم من أذكياء أهل زمانه، يصنع لهم الصناعات التي تُيسر حياتهم وتسهلها، ويأتي من فنون الحياة أعاجيبها كأن يكون طبيبًا بارعًا، أو مخترعًا لدواء فيه شفاء بعض الأمراض ولكنه كافرٌ بالله وبرسوله وبالدار الآخرة فهو من أهل النار وداخل في غضب الله.
هذه أسئلة الضلال والانحراف لأنها تنشأ بسبب انحراف قيم الإيمان، وبسبب اختلال موازين الله تعالى في قلوبهم، ولو عَلِموا معنى الإيمان بالله وأنه مقصد خلق البشر كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (1)﴾؛ فهذا ربنا الذي خَلَقنا يُعلّمنا ماذا يريد منا، وأمّا هم فإنهم يُعظمون ما يريدون لأنفسهم وحياتهم دون النظر إلى الدار الآخرة، وأما أولئك الذين يُسمون أعمال غير المسلم من عمران الأرض عبادة فهم ضالون مُفترون على الله وعلى كتابه؛ لأن العبادة لا تكون كذلك إلا بأن تكون لله، فكل عمل يعمله غير المسلم ولا
(1) الذاريات: 56