تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا إلزامٌ آخر ونوعٌ آخر، إذْ هو يُبيّن قدرته في تغيير أحوال الناس على صور مختلفة من القَبْض والبسط، والمنع والعطاء، فإن الله - سبحانه وتعالى - وإن أجرى السُنَن على معنى واحد في أحوال متعددة كجريان الشمس والقمر واختلاف الليل والنهار، إلا أنه - سبحانه وتعالى - قادرٌ أن يُغير هذا الجريان على معنى من الحكمة والقُدرة التي يَعْلمها المؤمنون بتفكرهم في هذه السُنَن، فها هنا مثل الماء الذي يصيب أرضًا ميتة فيتغير حالها إلى الحياة، كما أن هذه الأرض الحية برزق الله من الماء إذا حُبس عنها الماء عادت للموت، فالماء روحها، كما أن الماء روح كل شيء كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ (1)﴾، ولو جَرَت السُنَن على معنى واحد في كل وجوهها لظنّ الجاهل غَلَبة هذه السنن على مُقدِّرها وخالقها، لكنه - سبحانه وتعالى - يمنع ويعطي، ويقبض ويبسط ليدرك الناظر عَظَمة الله، وخضوع كل شيء له، كما أن في هذا المثل تنبيهٌ للمهاجر الذي أصابه الفقر والغربة إلا أن الله قادر أن يغير حاله، فيبثُّ فيها روح الحياة كما يبثُّ في الأرض الحياة فتورِقُ وتُخرِج ثمارها، وهذا المثل كثير في القرآن؛ لأن نزول الماء هو من أعظم آيات الله بعد الخَلْق، وهو في الخلق إيجاد النسمة والحياة في الأرواح والأبدان، ولكن عمى القلوب هو مانع النظر فيها والتدبر في حكمتها وبالتالي مانعٌ من شكر الله عليها؛ ولذلك عقَّب الله على هذا المثل بقوله سبحانه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾، فهذا حمدٌ على نعمة العطاء وحمدٌ على نعمة الهداية، وحمدٌ على نعمة التفكر التي حرمها الكثيرون، مع ما يزعمون أنهم أهل فِكرٍ ونَظَر، لكنَّ فِكرَهُم وقفَ عند الظواهر دون النظر إلى يد الله - عز وجل - القاهرة كما قال سبحانه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (2)﴾

قوله - سبحانه وتعالى -: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (3)﴾

بعد أن انقضى أمر بيان الموت والرزق بكونهما من موانع الهجرة في سبيل الله تعالى، يأتي الله تعالى إلى مانع آخر هو مانع الرَغد والمتعة التي يحياها المرء في أرضه وبين أهله، وبالهجرة يفقد المرء هذا، كما أن الهجرة هي فعلٌ جاد شاق لا لهو فيه ولا لعب، بل هو - كما تَقَدَّم - فيه ألم الولادة الجديدة، والهجرة إنما تكون لأمور عظام هي العبادة التي أمر الله بها المؤمنين، سواء كانت عبادة نُسُكية أو عبادة العاملين لدين الله تعالى، وكل ما في هذه الحياة إنما هي من عوارض ذلك، لكن الله - جلَّ في عُلاه - يسميها: ﴿لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ وكلاهما عَبَث لا أثر له سوى قتل الوقت الذي هو الحياة، لا ينتهي المرء فيهما إلى شيء، وأهل العربية يُفرقون بين اللهو واللعب، مع أنهما يشتركان في الاشتغال بما لا يعني حلالًا وحرامًا، لكن اللهو أهم مطلقًا، فيقولون إن استماع الملاهي لهوٌ ولعب؛ ذلك لأن أصل اللهو الترويح عن

(1) الأنبياء: 30

(2) الروم: 7

(3) العنكبوت: 64

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٦٩