تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} وهذا باب من الاعتقاد غير منكر من أحد من البشر إلا من قلةٍ مكابِرةٍ للحق بعناد وغرور، أمّا عموم الخلق فمقرون بأن الله هو خالق كل شيء ومُيَسر كل شيء للعباد، فإن كان الأمر كذلك فإن الرزق أهْوَن من الخلق من العدم، وأن التيسير للرزق أهْوَن من التسخير له، وهذا أمر يعقله المُنصفون.

فهاتان نعمتان؛ نعمة الخلق والإيجاد ونعمة التسخير، ذلك بأن الله كرَّم الإنسان وسخَّر له ما في السموات والأرض جميعًا منه، والبشر لا طاقة لهم على الشمس ولا سيطرة لهم على القمر، ومع ذلك فإنهما مُسخَّران للإنسان يخدمان حياته ويُسهلان له شؤونها، وهما آيتان عظيمتان أعظم من لقمة خبز أو كسوة ثوب، ويُدرِكانِه بالنعم والعطاء في أي مكان كان ولا يحجب نعمتها شيء، فمن مضى شأنه - جلَّ في عُلاه - على تسخيرهما للإنسان فلن يُعجزه أن يوصل ما هو أدنى منهما له.

ثم مع عموم نعمة خلق السموات والأرض وتسخير الشمس والقمر لكل بني آدم إلا أنه - سبحانه وتعالى - في باب الرزق له أقدار مبنية على حكمته، فهو يبسطها لقوم ويَقْدرها على آخرين ابتلاءً لهم في الأمرين، ورحمة بالعطاء والمنع فإن الله - سبحانه وتعالى - يقول: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (1)﴾، وقال - سبحانه وتعالى -: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ? وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ? وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (2)﴾، والمؤمن يصاب بالجوع والخوف ونقص الثمرات ابتلاءً وامتحانًا كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، والمؤمن يرى حكمة الله في أقداره فيصبر على البلاء ويشكر على النعم والعطاء، والجاهل يكفر ويَبْغِي عند النعيم ويكفر وييأس عند البلاء كما قال الله عنه: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ? وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ? إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (3)﴾، وجَرَيان أقدار الله بالبَسْط والمنْع إنما لعِلْم الله تعالى بعباده ولذلك قال - سبحانه وتعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

قوله - سبحانه وتعالى -: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (4)﴾

(1) الشورى: 27

(2) الزخرف: 33 - 35

(3) هود: 9 - 11

(4) العنكبوت: 63

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٦٨