حتى يأتي قَدَر الله، وقَدَره - سبحانه وتعالى - له أسبابه الكافية في رد العوارض وتحقيق الفعل، فبهذا يُعلَم حاجة الصبر للتوكل، كما يُعلَم حاجة التوكل للصبر؛ ولذلك هما مقرونان كثيرًا في كتاب الله تعالى كقوله هنا في العنكبوت، وقوله في سورة إبراهيم: ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (1)﴾ وقوله تعالى في سورة هود: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (2)﴾ فهذا هو التوكل ونَفْي مُعارِضه، ثم يقول الله بعدها: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (3)﴾ وكقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (4)﴾، فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾ هو الصبر على الطاعة والإقدام عليها، وكقوله في إسماعيل - عليه السلام - كما تَقَدَّم في سورة طه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (5)﴾ فضمان الرزق هو التوكُّل؛ ولذلك قال تعالى هنا في سورة العنكبوت: ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ? الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فإن المرء لا يستحق وصف العامل المقيم على عمله إلا بهاتين القوتين القلبيتين العظيمتين.
قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6)﴾
يُنبّه الله فيها المهاجر في سبيله أن الضرب في الأرض ذهابًا إلى الله لا يقطع رزق المرء ولا يحرمه منه، وحتى ليعلم المرء ذلك فلينظر إلى الدواب العجماوات يرزقها الله منه دون أن تتكلف حَمْل رزقها، وكثير منها لا يَد له في رزقه، بل يرزقه الله كل يوم حتى ينتهي قدره من الرزق. بل إن كثيرًا من نَبْت الأرض هو للدواب وأكلها قبل أن تكون للإنسان كما قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (7)﴾
المهاجر يخاف الموت فيُطمْئنه الله أن أجل الموت ليس مُختصًا به، بل هو قَدَر يصيب كل أحد، ويخاف فوات الرزق فيُنبّهه إلى قدره في الرزق بالنظر إلى الدواب، والمرء بين هذين الخوفين يسير ويكرُّ ويسعى، وهكذا الطاعات كلها فبالتوكل على الله وإبعاد الخوف من غيره يأتيها المؤمن بلا خوفٍ أو وجل، هذا مع علم أن الطاعات هي خير أبواب الرزق والأمان،
(1) إبراهيم: 12
(2) هود: 113
(3) هود: 115
(4) آل عمران: 159
(5) طه: 132
(6) العنكبوت: 60
(7) السجدة: 27