تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإلهي، فبالصبر تدوسُ أوهام الشيطان وجنده، وبالتوكل تسمو إلى عطايا الإله العظيم الكريم، فهذه قدم عزة تعلو بها على هاماتهم، وتلك قدم ارتقاء لتَنال وعد الله، هذه تُثبِّت قدمك وأخرى تَنْقلها إلى غدٍ مُخبأ لك عند الله هو ما يحبه لك جلَّ في عُلاه.

والصبر كما هو معلوم يكون على أمرين:

1. على وقوع المقدور مما تكرهه النفس وتتأذى منه.

2. وعلى أداء الطاعات والإقامة عليها، فالأول كقوله تعالى: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا (1)﴾ وكقول يعقوب - عليه السلام - على فراق ابنه الحبيب: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ (2)﴾، والثاني كقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ (3)﴾ وكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا (4)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ وفي كليهما لا يتحقق أثر الصبر إلا بالتوكل، فبالتوكل ينقضي المَكْروه والعسر إلى اليسر، كما أن به يُحبب الله إليك الطاعات فتصبح قرة عين لك تُحبها ديانة ونورًا مع مشقَّتها على البدن، فتأتيها النفس راغبة مُقبلة.

والهجرة في سبيل الله جامعة للأمرين من موجبات الصبر، فهي مما تكرهُهُ النفس، كما أن ما فيها من أمور هي كذلك كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (5)﴾، وهي طاعةٌ لله يتعبّد بها المرء، والعبد لا يُقبل عليها مختارًا إلا وهو صاحب يقين على موعود الله أن شقاءه مَقْضي، وأن ما هو آتٍ إليه سيكون أحب إليه مما خلف كما قال الحبيب المصطفى عن المدينة: ((اللهم حَبِب إلينا المدينة كما حببتَ إلينا مكة))، واقتران الصبر مع التوكل دليلٌ على أن التوكل لا يؤتي أثره حتى تستوفي في كميته كما هو شأن الأدوية كلها، فإن الدواء لا يحقق مفعوله في إزالة الداء حتى يحصُل به الكفاية وليس بمجرد وجود أصلِه كما يظن البعض؛ فالأدوية تُمتحن بالمعارضة والدفع من الأمراض، ويحصل التدافع حتى يُحقَق النصر للأقوى والأغلب، وهكذا فإن التوكل يُمتحن فيمده الصبر حتى تحصل الكفاية منه فيقع النصر والغَلَبة.

أمّا من ظن أنه بمجرد قول المرء: "حسبنا الله ونعم الوكيل." ستقع الغَلَبة؛ فهو جاهلٌ بأقدار الله تعالى، فهذه كلمة التوكل العظيمة لا بُدَّ من حصول قوّتها في القلب، وقوّتها الكافية وليس مجرد الوجود، وهذه الكفاية والقوة تأتي بالعبادة والإخبات والطاعة ويحمي ذلك كله الصبر

(1) إبراهيم: 14

(2) يوسف: 18

(3) الكهف: 28

(4) آل عمران: 200

(5) البقرة: 155

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٦٦