الذين دأبوا على شراء دواب البشر وبهائمهم فإن تجارتهم لا تُنفَق إلا على الكلاب التي تهزُّ ذيولها لمنظر العظام وهي تلوح أمام أعينها، فينبحون عند الطلب ويرقصون عند شهوة السيد ويعضون كلبًا وسعارًا، فيفرح لهم طواغيتهم فيلبسونهم ثياب الحكماء، ويُصبغون عليهم أوصاف العقل والحكمة، ولكن أنَّى للمرء أن يكبر بالأكاذيب، أو أن تُغيّر الأصباغ والثياب حقائق المعادن وجوهرها. سيعلم الناس غدًا مَنْ أصدق في الوعد، وبعد الموت ستكون الحقائق ولن ينفع الندم.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (1)﴾
هاتان قوّتا الثبات:
- صبرٌ على محن الواقع وابتلائه.
- وتوكلٌ على الله بتصديق وَعْده أن العاقبة له؛ لأن هناك صبرٌ كصبر البهائم وعبيد السوء، يذلون أمام القهر، ويتصاغرون أمام المِحن.
أمّا صبر المؤمنين فهو أمر آخر، فهو صبرُ المقاوم العامل الذي لا يَذلُّ إلا لله، فهو عزيزٌ حتى مع ضعفه، غني حتى مع فقره، وهذا النوع من الصبر هو الذي يُمزج مع اليقين والتوكل، لأن التوكل في ديننا عمل ومقاومة ودفع، فلا يرقب وعد الله على معنى صحيح إلا من هو مقيم في الطريق عامِل وِسْعُه لتحقيق الغايات؛ ولذلك فلا يكون الصبر شرعيًا إلا بالدفع، ولا يكون التوكل شرعيًا إلا بالعمل، وبهذا يتحقق الإيمان والثبات، كما تتحقق الوعود والغايات. فالصبر علاج للواقع وللحظة الخادعة الآسرة، والتوكل ارتقاب عملي لمَا بعدها، وهذان العملان القلبيان هما من أعظم العبادات وأرجاهما عند الله، وأنت كما تراهما استجابة مدافعة لواقع فيه الأحداث والشخوص، ولذلك من قال لك أن الإيمان الواجب؛ لأنه ما من موقف في الحياة إلا وللمؤمن فيه موقفٌ قلبي وعملي عِمادهما الصبر الشرعي الممدوح، والتوكل الشرعي الصحيح.
مع الهجرة في سبيل الله تعالى تغزوكَ جحافل الشياطين وكلها محصورة في قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ (2)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ (3)﴾ فتُكبّلك الهموم التي يصنعها، ومع الصبر وحَبْس النفس على الطاعة وامتثال أمر الله، وإقامتها مع الشدة والقلة والْعَنَت ثم مع التوكل على الله أن كل شيء مقضيٌ بأمره، فما هذه الظروف المحيطة إلا زمنًا خادعًا كالحجاب الساتر الذي ينتظر أن تَلِجه لتجلب ما وراءه من النعيم والعطاء
(1) العنكبوت: 58 - 59
(2) البقرة: 268
(3) آل عمران: 175