تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (1)} فما أضلّ وأشقى أولئك الذين يعيبون على المهاجرين الذهاب به إلى الله بأنهم ماتوا أو قُتلوا أو ضُيّق عليهم؛ لأنهم بهذا - وهم كُثُر في يومنا - دخلوا مداخل الجاهلية، وحكموا بأحكامها على أهل الإيمان.

نعم، سيموت الجميع، مهاجرهم ومُقيمهم، مجاهدهم وجبانهم لكن الافتراق بعد الموت بين الحالَيْن كبير، فقد قال - سبحانه وتعالى - عقب ذلك: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ? الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2)﴾، فالهجرة في سبيل الله وفي أرض الله لعبادة الله سبحانه هي إيمانٌ وعمل صالح، وهي إن كانت في الدنيا رحيلًا وتنقُّلًا لكنها في الآخرة مَبَاءة نعيم في الجنان، فهم في غرف تجري من تحتها الأنهار، أمّا الغرف فموصوفة بقوله: ﴿غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ (3)﴾ وأمّا أنهارها فموصوفة بقوله: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى (4)﴾ وهي دائمة لا يعتريها تغَيّر ولا فناء، بل هم في نعيمٍ مُقيم لا يتحوَّل، وهي لنعيمها فإنَّ الله ربُّ كُلِّ شيء - جلَّ في عُلاه - يصِفُها بقوله: ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾؛ ذلك لأن الجنة هي دار ضيافته لأحبائه وأوليائه، ونعيم المُضيِّف على قدر مُلْكه وكرمه، وربنا مالك كل شيء وخالق كل شيء، وهو - جلَّ في عُلاه - أكرم الأكرمين؛ ولذلك فهذا النعيم هو رجاء المؤمنين، فمن أجله يصبرون ويعملون، ومن أجله تهون عليهم نفوسهم وأموالهم وأهليهم، فهم يعيشون في الأرض وقلوبهم مَلْأى بأخبار هذا الوعد الحق الذي يرجونه من الله تعالى.

ستبقى أخبار الجنة ووَعْد الله وقود الإيمان ووقود العطاء ووقود الصبر ووقود الشهادة وهَجْر الفراش قيامًا في الليل وهَجْر الأوطان هِجْرة في سبيل الله، وسيبقى حب المؤمنين لها غيظًا لأعداء الله، فهم يُساومون البشر حين ينقطع إيمانهم بالجنة، فيشترونهم ويستذلونهم، وأما مع هؤلاء القوم فهم أصفارٌ فارغة لا يقدرون أن يقدموا لهم بعض ما يحبون وما يشتهون؛ لأن قلوبهم هناك في جوار الرحمن فلا يملكون إلا الغيظ والقهر، ولشدة غيظهم يضحكون ويستهزؤون، كاستهزاء الأَبْلَه أمام ثبات الجبال حين يعجز عن قهرها.

حين يبيعُ المرء نفسه وماله وروحه لله ليشتري الجنة، فتسمو نفسه عن هذه الشهوات الزائلة الخادعة، وتعلو قِيَمه إلى الغيب الذي يُحب، فتتصاغر عروض الخبثاء وتبدو له مجرد لهو لا يستحق أن يُلتَفتَ إليه، فيمضي إلى ربه وإلى طاعته، أمّا هؤلاء التجار من الطواغيت

(1) الأنبياء: 34 - 35

(2) العنكبوت: 58 - 59

(3) الزمر: 20

(4) مُحَمَّد: 15

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٦٤