رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (1)}، وكما أن المهاجر محفوفٌ بهذه الوعود الدنيوية الحسنة فإن أمر شهادته أو موته حاضرٌ في كتاب الله، موعود إن وقع هذا له أن يَصِل إلى مبتغاه من الرحمة التي تنتظره بعد الموت فقال سبحانه في سورة الحج: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ? لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (2)﴾ فهذا أمر الشهيد أو الميّت مهاجرًا، أما الباقي بعد ذلك فليس هَملًا متكئًا على أريكته في دار هجرته، بل له مقصد يحيى من أجله؛ لأن عينه ذاهبة إلى الذي ظلمه فقال الله عن هؤلاء عقب ذلك: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (3)﴾
بهذه الآيات وغيرها رأينا كيف تُشكِّل الهجرة أساس حَسَنة الدنيا وكيف هي باب تحقيق السلطان والنصر ﴿وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا (4)﴾ كما أنها تُعطي شرعية العِقاب ضد الظالمين الذين أَخْرجوا المؤمنين، فإن آيات سورة الحج قد تقدّمَها بقليل قوله - سبحانه وتعالى -: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ? الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ (5)﴾
قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (6)﴾
الخوف من الموت مانِعَ الذهاب إلى الله ومانع الخروج للجهاد، وقد عالجَ القرآن هذا الأمر كثيرًا في مواطنه كما في سورة آل عمران في سياق أخبار غزوة أُحُد وآثارها، وفي سورة النساء عند ذِكْر آيات القتال في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ (7)﴾، وها هنا يُخبر الله تعالى عباده المؤمنين أن الهجرة لا تُقدِّم موتًا ولا تؤخر قدرًا، فالمُقيم بين أهله سيموت، والمهاجر في سبيل الله تعالى سيموت، وكلٌ راجع الى الله، فمن أقام مخافة الموت في هجرته فهو جاهل بأقدار الله تعالى محرومٌ من الخير، والأمر كما قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ? كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ
(1) النحل: 110
(2) الحج: 58 - 59
(3) الحج: 60
(4) الإسراء: 80
(5) الحج: 39 - 40
(6) العنكبوت: 57
(7) النساء: 77