يحبونك في الله أكثر من حب أهلك لك وينتظرون منك كل كلمة ليسجلونها حكمةً في صدورهم.
﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾؛ إن الانسان وهو في ضيق وشدة ليحتاج أن يُذكّر بالحقائق، فكم من دهشة أعْمَت صاحبها أن يرى السيف في يده فيصرخُ فيه صارخ: قاتِل إن السيف في يدك. فيرد عليه قائلًا: ذكّرتني الطعن وكنتُ ناسيًا؛ فهل يجهل الإنسان حقًا أن أرض الله واسعة؟ نعم، إنه يجهل ويجهل، وما زال إلى يومنا يجهل وهو قد عَلِم الكثير عن هذه الأرض، لأنه مسكينٌ ضعيف يخاف إن خرج من أرضه أن يَعْدَم قوتًا أو يَفِقد أهلًا أو يَسْتوحش جديدًا، فيظن أن خارج ما فيه هو الضيق، وأن ما فيه هو السعة، فلا بُدَّ أن يسمع قول الله تعالى له: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾، ليَعْلم جهالات نفسه في ذلك كله، فيَفُكُّ قيدَ نفسه قبل أن يَفُكَّ قيدَ رجله، ويُحطِم أسوار هَواهُ قبل أن يحَطم أسوار الحدود.
لقد مُهدّت الهجرة باعتبارها دعوة قرآنية بصِيَغ متعددة فضُربت لها الأمثال، فقد ذكَرها الله تعالى حديثًا إيمانيًا رائعًا لفِتْية آمنوا بربهم، وكفروا بما يُعبد من دون الله، فخرجوا هربًا من بَغْي قومهم بأن يُعيدوهم إلى دينهم، ومضى ذكرهم في التاريخ كخَطِ الذهب الرقيق في رُكام الحجارة والأحداث الكبيرة الخادعة لأنها من تراب، لكنهم لمَّا كانوا من تاريخ الإيمان أبى الله الا أن يُخبر عنهم وأن يرفعَ ذكرهم وأن يُسجِّل موقفهم وأحوالهم، بل وصِفَة مكانهم ورفقتهم اللائذةُ بهم كلبًا باسطًا ذراعيه بالوصيد، فما أراد الله إحياءه فلا يموت؛ لأنه نافع لإيمان القلوب ومسيرة الحق ورحلة الإيمان، تمضي بهم السنون نيامًا، تمرُّ عليهم شمس يومٍ ويومٍ حتى يبلغوا القَدَر، ولو باتوا أسبوعًا لكان آية، فكيف كما قال تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً (1)﴾
فيعودوا كأنهم باتوا ليلة أو بعض ليلة ليَتِم الوعد الحق، وليُطَمْئن الله عباده أن الرحلة إليه، وأن الهجرة في سبيله ليست من الخسارة في شيء، فإنه وهو القادر أن يفعل بهؤلاء الفتية هذا الفعل من الصَوْن والحفظ والرعاية لقَادِر أن يحفظ المهاجر وهو حيٌّ لم يَمُت، فهؤلاء في هذه السنين من كان يُطعمهم ويسقيهم ويؤويهم؟ ومن أبقى أجسادهم على حياتها لا أكل ولا شرب؟ إن الذي أحياهم في موتهم ومنامهم بلا طعام ولا شراب لقادرٌ - جلَّ في عُلاه - أن يُطعم ويسقي ويرزق هذا الواقف على قَدَميه.
إن الآيات العُظمى تمضي مثالًا لغيرها، وهي لا تتكرر تكرار السُنَن القَدَرية الجارية وإلا لمَا كانت على معنى الآية المثال، ومثالُ ذلك خلق عيسى - عليه السلام - فإن الله خَلَقه من أمٍّ بلا أب
(1) الكهف: 25