تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قاعدة هذا الواقع يكون الولاء والبراء، ويقوم الحب والبُغْض، وينقسم العالم إلى دارين، دار إيمان ودار كفر، فتنشأ أسواق الإيمان التي يرحل إليها الصادقون ليحققوا أرباحهم بالبيع الذي مضى بينهم وبين الله تعالى، ويتمُّ الحراك الحقيقي في هذا الوجود على أساس الإيمان والإسلام بعيدًا عن كل خصومات البشر المُهيمنة التي تقوم على الشهوة وملذات الذات.

هكذا يأتيك القرآن ليقول لك: امضِ إلى الأفق الأرحب، فأرض الله واسعة، وكَسْر أوهام المكان، وهو وهمٌ آسر يستخدمه الطغاة في تعبيد الناس لهم، ولذلك أنشؤوا الحدود وقيَّدوا الإنسان في داخلها، ولمّا كان من منافذ العقل والنفس هذه العيون، فإنها بضيق المكان وفَقْر معالمِه وأفكار أهله تضيقُ النفوس والعقول، وكسرُ أسر المكان بالهجرة والرحلة هو ككسر أسر الزمان بقراءة التاريخ والعيش فيه وتدبر معانيه وآثاره، وهذا الإيمان لا يكون حقًا إلا بأن يعلم المرء عَظمة ربه، فمن أُسر عقله ضاق إيمانه ومن تحرر عقله عظم إيمانه، ولذلك فليعلم المؤمن أن أرض الله واسعة، وهي أرض لا يملكها حقًا إلا الله، أمّا هؤلاء الطغاة فإنهم يخفون عبيدهم أنهم آلهة الأرض ومدبِّري أمرها؛ فإن سقطَ هذا الوهم بأن رأى أكاذيبهم وأنهم صراصير تلك الأماكن المحجورة، لا يعلم بهم أحد خارج مكانهم ولا يسمع بأسمائهم إلا ذلك المختبئ معهم في حجورهم الضيِّقة المظلمة، عَلِم حينها أن ضيق المكان هو مادةُ وَهْمه حين عَبَد غير الله تعالى.

﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾؛ إنها واسعةٌ حين يخرج المرء من أَسر نفسه حين يتصور أنه لا عيش له خارج هذا المكان، ولا حياة له دون هؤلاء الأهل، فيمضي إلى ربه ليجد أن الأرض أوْسَع وأرحب مما حَبَس نفسه فيه، وإن كل هذه المُقيِّدات هي أسوار وَهْم وخيالٌ طفولي حين يحس بخطر يُداهمه فيركض إلى مَخْدعه ليغطي رأسه؛ ذلك بأن المكان في الوجود لم يضِق عليه، بل هو من ضيّقه على نفسه، وما من وَهْم في الوجود إلا وهو سلاح أعدائك ضدَّك، وما من شيء أخطر في الوجود من الوَهْم، فالشرك وَهْم، والخوف من غير الله وَهْم، ورجاء غير الله وَهْم، وشعور الحاجة لغير الله وَهْم، وما من صنم في الوجود يبكي أمامه المُشرك الباكي إلا وقد صنعه في داخله بالوهم قبل أن يصنعه بيديه حجرًا أو خشبًا. الحقيقة الوحيدة في الوجود هي التي تصنع منك إنسانًا لا يَهين ولا يَذِل أمام طاغوت بشري أو حجري، ولا أمام شهوة ولا خوف عذاب، هذه الحقيقة هي أن تحقق في نفسك العبودية لله فتصغر الأشياء وتُحطِّم الأسوار، حينها ترى هذا الوجود واسعًا والأرض رَحْبة، بل سيكون لك طريقًا للسماء تسلُكُه لا تعرفُه بعينِه، لكنك تؤمن به لأنه يعرفك حين تمرُّ أعمالك الصالحة الصاعدة منه إلى الله.

ارحَل إلى الله واذهب إليه وهاجر في سبيله، ففي الأرض أرزاقٌ لك مَبْثوثة تنتظر منك قِطافها وعلومٌ مبذولة ترجو منك حَمْلها، ورِفْقة لا تأسرك بتاريخٍ قديم تسجنك في داخله،

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٦١