تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ? الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ? وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (1)}
لقد ضاق المكان، وضاقت صدور أهله، وبلغت الحُجّة مداها، ولم يبقَ إلا مجرد العناد، ذلك العناد الذي يُبنى بالاستكبار، وشعور الغَلَبة على الفئة المؤمنة المُستضعفة، ووصل كل فريق مع الآخر إلى طريقٍ مسدود، فالمؤمنون يرقبون السماء ويرجون رحمة الله ويُصِّدقون الوعد وهم على انتظار له؛ لأنهم على موعدٍ معه، والكافرون بمدّ الأجل تزداد غفلتهم ويطغى جبروتهم، فهل من فعلٍ حكيم يهدي الله إليه قلوب أوليائه، وبه يتم سَرَيان الحكمة إلى مستقرها بهلاك الأعداء أو بهزيمتهم، وبنصر المؤمنين بعد نجاتهم؟ نعم، إنه فعل الهجرة إلى الله، ينجو به المؤمن ليحقق عبادة الله، ويُبرهن به صدق دعواه أن هداية الله له هي خير مما ملَك وأَحَب وأَلِف، فالنجاة بالإيمان خير من كل ذلك، لأنه الأغلى والأعظم.
لقد مَضَت السورة على المعاني المتقدمة من التهيئة اللازمة ليصل هذا الأمر العظيم إلى القلوب فتُقبِل عليه بلا تردد، فهذا فعل عظيم على النفوس، وهو من أشق ما يلاقي الإنسان؛ لأنه خروج جديد للحياة، فهو الولادة الثانية له بكل آلامها وخوفها وترقُّبها، يُقبل عليه الإنسان مجبرًا غير مختار، لكنه قدر الإيمان والمؤمنين ولا انفكاك لرحلة الإيمان منه.
إن الهجرة ليست فعلًا ارتداديًا لقلة الصبر مع الخصوم، ولا هروبًا من مواجهتهم، ولا هي اختيار الأيسر على الأشق، لكنها كقول يوسف - عليه السلام -: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ (2)﴾ فهي تضحيةٌ عظيمة حتى لا يُعطي الدنيّة في دينه، ولا يُقايض به رِفْقة أهلٍ ودار ومال، وهي دلالة علو الإيمان حين يساوم بين دنيا يضغط بها الأعداء عليه ليترك دينه، فيتركها لهم رابحًا البيع مع الله، فتصغر نفوسهم وتُهزم أمام اختياره وموقفه.
وأمّا الصبر فإن ما سيلاقيه من مِحنةِ الهجرة والذهاب إلى الله لا يَقلُّ صبرًا عما يبذله بين العُتاة المستكبرين، لكن الصبر مع البقاء هو صبر الواقف أمام جدار سَمِيك لا منفذ فيه، والصبر في الهجرة هو صبر العامل الذي يحقق وقائع الوعود الإلهية بالنصر والتمكين.
بالهجرة يتحقق معنى انتماء المرء لهذا الدين، ويكسر بها كل معاني الانتماء الأَرْضي، فلا العائلة هي مَرْجِعه وانتماؤه، ولا الأرض هي نَسَبه وجنسيته بل صار له انتماء جديد ونسب جديد، هو نسب المؤمنين في وقتٍ حين يدخلون في الوصف الإيماني الرائع «مهاجرون وأنصار»، هذا النَسَب والانتماء هو دلالة الواقع العلمي بأن يسمى المرء مُسلمًا، ذلك بأن الإسلام انتماء داخلي في أصله، لكن الهجرة هي الواقع العملي لهذا الانتماء العظيم وعلى
(1) العنكبوت: 56 - 60
(2) الفتح: 12