وأين النصر الموعود لكم، وأين دعواكم أن الله معكم." وتمضي حكمة الله فيهم، ويصبر عليهم الله تعالى، فيغرُّهم صبر الله عليهم، فيزدادون طغيانًا وكفرًا، وتَطْمئن نفوسهم القذرة أن مزاعم المؤمنين بأن الله معهم ليست بشيء، ثم يأتي عذاب الله بَغْتة وهم لا يشعرون.
إن مضيَّ إرادة الكفر بالمسلم حينًا هي على هذا المعنى في ابتلاء المؤمن بالصبر واليقين، وفي إضلال الكافر بالغرور والاطمئنان حتى يقع عليه العذاب، ومن لم يفهم هذه الحكمة ضل ولم يصبر، ووقع في قلبه التكذيب بالوعود، وهذا من أعظم الكفر والضلال.
لقد سبّت قريش رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانت الأصنام مئات السنين في بيت الله الحرام، وهو أعظم مكان في الأرض، ومورِسَت فيه المظالم والضلال، والله سبحانه يصبر حتى أتى وعده بالحق المبين، فلا يغرَّنك صبر الله على الناس، ولا يُبعدنك طول الطريق عن اليقين، فإن الله - عز وجل - قال في مثل هذا السؤال الضال: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (1)﴾؛ فإياك أن تهتز ثقتك بالله وبوعده وأنت ترى غرور الكافر وتبجّحِه، بل اعجب من جرأته على الله ومن صَبْر الله عليه.
وكما أن المؤمن يُنذر الكافر بعذابه القَدَري، كذلك يُنذره بالنصر القادم وهزيمته، وهذا من نوع الاستهزاء الداخل في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ وهو مذكورٌ في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (2)﴾ وكما أن الكافر يستهزئ بهذا النذير فكذلك المنافقون كما قالوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا (3)﴾ وإن المرء يعجبُ من هؤلاء كيف يطلبون العذاب، وكيف يسألون سَبْق السيئة عليهم.
لكن هذا الكشف القرآني لحقائقهم، وهذه المعرفة التي يُدركها المؤمنون بالتلاوة لآيات الله، ويدركونها بخبرتهم مع أعدائهم تكشف للمؤمن صِنْف المعرضين الكافرين، وأي قوم هم! وهذه حقيقة إن غابت عن المؤمنين وقعوا في إحسان الظن بأعدائهم، بل ربما أعذرهم في عدم إيمانهم، وهذا من مزالق الشيطان ودروبه في الباطل. وأمّا الاستهزاء بالعذاب فلجهلهم وتلعُّب الشيطان بهم؛ ولذلك هم يستعجلون بالساعة ولا يعلمون ما وراءها كما قال تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ? يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا
(1) الحج: 47
(2) التوبة: 52
(3) الأحزاب: 12