تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُّسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ? يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ? يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (1)﴾

هذا شأن المُعرضين المُكابرين للحق والهدى، فإنهم حين تنقطع حُجَجهم وترتعد فرائصهم من النِّذارة بالعذاب بأن يَلْقوا هذا الضلال، ويحسبون أن هذا هو الذي يحقق لهم الغلبة والفوز، وهو تَحَدٍ كما تراه باطلًا ليس من العلم والحُجة في شيء، كما أن فيه معنى الغرور والإصرار على الباطل، وهو أمرٌ تكرر منهم ذكره بل أتى ما هو أشد منه حيث قالت قريش: ﴿اللَّهُمَّ إن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (2)﴾

والله - سبحانه وتعالى - هو الصبور، وهو الحكيم، فإنه - سبحانه وتعالى - لا يُجري أقداره على معنى تحدي البشر له، فمن هم هؤلاء الضعفاء الذين يُكرِهون الرب على شيء لا يريده، ثم دَعْهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون فإن الله يقول: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾، فالله قدَّر مقادير العباد وأعمالهم وأموالهم قبل خلقهم بخمسين ألف سَنة، وهي أقدار محكمة على معنى الوجود كله، فمن ظن أن حدثًا في الكون هو منفرد عن أقدار الوجود كلها فهو مخطئ، ولتتصور قريبًا من هذا المعنى فتفكر في وجود نَسَمة جديدة في الوجود من البشر، فإن هذه النَّسَمة لا يمكن أن توجد إلا بعد أقدار أخرى قد حكم الله بخلقها أن تكون معها في الوجود والإحداث، كأنفاسها وطعامها وشرابها ولباسها، وزوجها المُقدِّر لها، وغير ذلك، فإن هذه النسمة ليست في فراغ، بل هي تعيش في وجود عظيم مُتداخل، ومُحكَم التقدير؛ ولذلك فإن الله -سبحانه وتعالى- جعل لكل شيء قَدَره وأَجَله كما قال سبحانه: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (3)﴾ فهؤلاء الكَفَرة وإن أغضبوا الرب بكفرهم وتحدِّيهم لكنه - سبحانه وتعالى - لصبره وحكمته التي يعجز البشر عن إدراك كل معانيها يُجري أقداره متى أراد، وفي الوقت الذي قدَّره وأحكمه في كتابه، ويكفي أن يُبصر المؤمن بعض معاني الحكمة المذكورة في هذه الآية بقوله: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (4)﴾؛ ذلك بأنهم عند تحدّيهم يرمون بأبصارهم إلى السماء ينتظرون العذاب فإن غابَ عنهم ولم يَرَوه بدأ النسيان يضرب على عقولهم ونفوسهم حتى يقعوا في الاطمئنان والظن الباطل بالله تعالى، فإن حصل لهم هذه الغفلة جاءهم العذاب بَغْتة وهم لا يشعرون، فيكون وَقْعه عليهم شديدًا، وألمُهم فيه عظيم.

هذا التحدي الباطل الذي يُطلقه الكَفَرة من استعجال العذاب له صُوَره من الكفرة المعاصرين، فإنك لتَسْمَعه منهم وهم يُعذبون المسلمين ويضربون جلودهم وأبشارهم، وكذلك حين تمضي إرادات الشر منهم في المسلمين، فيصرخون: "أين إلهكم الذي تستنجدون به،

(1) العنكلوت: 53 - 55

(2) الأنفال: 32

(3) الرعد: 38

(4) العنكبوت: 53

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٥٦