وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ (1)} وهذا الحال ينقلب يوم القيامة كما بيَّن الله بعد هذه الآيات، وهي من سورة الشورى، إذْ يقول ربنا يوم القيامة: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ? تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (2)﴾
وفراغ هؤلاء الكفار القُدُماء ما ترى اليوم من أقوالهم المستهزئة برغبة وسؤال المؤمن لربه أن يدخله الجنة الموصوفة في كتاب الله تعالى وفي سُنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيضحكُ مِلْء شِدْقَيه أن المؤمن شهواني يشتهي الحور العين وأكل النعيم في الجنة، وينسى هذا البهيمية في نفسه، وهو يرى نفسه اليوم كيف يبيع مبادئه ودينه وقِيَمه من أجل شهوة الفرج واللباس والمطعم، وأنه هو وأمثاله يتساقطون سَكْرى عند أقدام المُومِسات، وكيف أن أحدهم من أجل لُعاعةٍ من الدنيا عابرة يبيع عِرْضه وجسده وقلمه، إنه ينسى هذا وهو يكتب كلامه مستهزئًا بإيمان المؤمنين بالجنة وإقبالهم على الموت من أجلها، وأما زَعْمه أنه لا يخاف العذاب، فهو زعمُ الجاهل الجبان؛ لأن هؤلاء لو وَقَف أمام شرطي لطاغوتٍ في مكتب تحقيقٍ أمني لبَالَ على نفسه، ولصرخَ صُراخ الثور، ولقَبَّل الأقدامَ القذرة حتى لا يُضرب سوطًا واحدًا، أو يَبيت مسجونًا منفردًا، فلا تغرّنك كلماتهم، فهي كلمات الجبناء الخبثاء الذي لا يستحون من الله ولا من الناس.
قوله تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (3)﴾
تقول الآية: هَبْ أن أحدهم فاتَهُ عذاب الدنيا بأقدار الله الكونية أو بأيدي الإيمان، فهل سيفوته عذاب جهنم يوم القيامة؟ هذا مع أن كليهما مُعذبٌ في الآخرة، أي: من لَحِق به عذاب الله في الدنيا كافرًا ومن جاءه الموت في سلطانه وراحته، فكلاهما إلى عذاب الله تعالى، وهو عذاب لا مخرج منه لا زمنًا ولا مكانًا ولذلك فإن جهنم ﴿لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾.
وأمّا ما يفهمهم اليوم فلا يغرّنك كما قال تعالى: ﴿أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (4)﴾ وكما قال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ? ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ ? مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (5)﴾، وتذكّر يا عبد الله هذا الحديث تعرف معنى عذاب الآخرة، ومعنى نعيم الآخرة، ففي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخُدْري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيُصبغ في النار صبغة ثم يُقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرًا قط؟ هل مرَّ بك نعيم قط؟
(1) الشورى: 17 - 18
(2) الشورى: 21 - 22
(3) العنكبوت: 54
(4) القصص: 61
(5) الشعراء: 205 - 207