تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ (1)﴾، وكذلك الشرك في النية وغير ذلك، وهذا هو حال أغلب الضالين من العباد فإنهم مع تصديقهم بالله وبأوامره لكنهم لجَنْي المنافع ودفع الضرر والمِحن يُطيعون الطواغيت وآلهة الباطل بمقدار ما يحقق لهم النفع ويدفع عنهم الضرر، ويزعمون -جهلًا- أن هذا من حكمة الحياة التي يفقدها المؤمنون وهم يكفرون بالباطل ويؤمنون بالله فيصيبهم شر الباطل وعذابه ومِحَنه، وهي حكمة النفاق والكفر، والله - عز وجل - لا يرضى هذه القسمة الضيزى من هؤلاء، وهي قسمة متنوعة تجد هذا التنوع في الخلق، إذْ تجده يأتي من أعمال النسك التعبدية ما لا يتصادم مع طاعة طاغوتِه الذي يتَّقيه أو يحبه لإحسانه إليه، وهو يظن لجهله وخُبْثه أنه حقَّق رضى الله فضَمَن الجنة، ولم تفُتْه الدنيا كذلك، فهذا له شأن وهذا له شأن ويمكن أداء الحقين معًا ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ كما قال ربنا عنهم.
بهذه الآية خُتِم هذا القوس الذي فتح بعد باب ذكر تاريخ الإيمان مع الأُمم، وعاقبة المعرضين عنه وعاقبة الدعاة والمصلحين والمؤمنين، إذْ تَبَيّن أن تاريخ الإيمان والعلم هو جزء من صياغة نفسية المسلم الممتحن بسبب إيمانه، ثم جاء ذكر الكتاب وأنه عدة المؤمن في مسيرته، فهو الحقيقة التي يواجهه بها قومه، وهو الدليل الحق الذي ينازع فيه مخالفيه في إعراضهم وغرورهم وكبرهم، وكما أن المؤمن يُفتن في بدنه فيُعذب ويُسجن ويُطرد، فكذلك هناك فتنة زخرف القول، وشبهات النفوس والعقول المريضة، فالمؤمن يتلقَّى فتنة البدن والأهل والمال بالصبر واليقين على الوعد الإلهي المُخبّأ له والمحيط به، ويتلقَّى فتنة الشبهات بالقرآن وعلومه وتلاوته والعمل به والقيام في صلاته به، فهو يقتصر عليه في هدايته لمنع نفسه من اقتراف الفحشاء والمنكر، وهو دليله في الحِجاج والمناظرة، وكذلك كما أن تاريخ الإيمان يصيغ شخصية المؤمن ويُثبتها، فكذلك تاريخ القرآن دليل على صدقه وأنه من عند الله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ﴾ وكل الكتب السابقة يُبطلها تاريخها، وأما تاريخ القرآن من مبتدئه إلى يوم الناس هو دليل من أدلة صدقه وآثاره على القلوب والنفوس هو دليل آخر: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فلا يُعرف في تاريخ الأُمم كتابًا أحدَثَ في نفوس حامليه - القراء - ما أحدثه القرآن؛ ذلك بأن كما قال سالم مَوْلى حُذيفة في معارك الردّة: "بئس حامل القرآن أنا إن أوتيتم من قِبَلي." فإن المرء ليبذل نفسه أرخص من زِرِّ قميصه لآيةٍ يسمعها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ (2)؛ فإن كتابًا يعملُ عملُه هذا في أتباعه لَكتابُ حق ويقين، وهكذا يُبنى المؤمن بناء العقل والوجدان وبناء الروح والبدن؛ ذلك بأن الطريق طويل وشاق لأن هذا الطريق هو ثمن مجاورة الرحمن يوم القيامة.
(1) الأنعام: 136
(2) التوبة: 111