تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (1)} وأمّا قبل ذلك فقد نصح لهم وخوفهم ورغَّبهم وذكرهم حتى لم يبقَ لهم مقال يلتجؤون إليه.

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (2)﴾

هذه هي قسمة الخلق، بين مؤمن وكافر، والله هو الحق وأن ما دونه الباطل. هو الحق - سبحانه وتعالى -؛ لأنه الخالق الرازق، وغيره مخلوقون ضعفاء لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا ردّ البلاء عنها، والله هو الحق لأن وعده الحق، وأمره الحق، وأما وعد غيره فهو باطلٌ فراغٌ هواء، وأمرهم ونهيهم شر وبلاء على أنفسهم وغيرهم، ولذلك قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (3)﴾، بهذه الحقيقة القرآنية يَحْسم الله ربنا تنازُع الآراء فيه، وتنازع الأقوال في كتابه، وتنازع الناس في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فليست المسألة خلافًا متعبدًا بين الفُرقاء، يعترف كل واحد بنوع حق لِما عند الآخر - كما يريد بعض الغافلين أن يجعلوا أمر الأديان على هذا المعنى -، بل الحقيقة القرآنية تقرر أن ما عليه أولئك هو الضلال، وأنه باطل لا يحتمل حقًا، وأن عاقبتهم الخسران في الدنيا والآخرة. وها هنا حقيقةٌ قرآنيّة، وهو أن الإيمان يُضاد الكفر، فمن آمن بالباطل فقد كفر بالحق، ومن آمن بالحق فقد كفر بالباطل، فلا يمكن اجتماع إيمانٌ بالله وإيمان بالباطل، ولمّا حاول بعضهم هذه القسمة الشنيعة بَيّن الله فسادهم بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4)﴾ فالله - سبحانه وتعالى - لا يقبل الشريك، وهو أغنى الأغنياء عن الشرك، فمن ظن أنه يمكن له أن يُرضي الباطل وهو كذلك يُرضي الله تعالى فقد أخطأ السبيل، ولن يحوز على رضى الله تعالى أبدًا، فإنه حين يؤمن بالباطل فقد كفر بالله لزومًا لا انفكاك منه.

وقوله تعالى: ﴿آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾ دلَّ على أن الإيمان ليس بابًا اعتقاديًا فقط، بل هو أكبر من ذلك وأشمل، فإن الإيمان طاعة والكفر معصية، فإن المرء لا يمكن أن يجمع في باب واحد بين تصديق وتكذيب، أي أنه يصدق شيئًا ويكفر به في نفس الحال، ولذلك قالوا: "اجتماعُ ضِدين معًا في حالٍ أغرب ما يأتي من الحالِ." فإن قصَد بالإيمان التصديق وبالكفر التكذيب فهذا ممتنع الوجود أصلًا، ومن كان كذلك فلا يُنهى عنه لعدم احتمال وجوده، لكن لمّا كان الإيمان طاعة والكفر معصية كان اجتماعهما في حالٍ ممكن، إذْ وجد مثله كما تقدَّم في قوله

(1) غافر: 44

(2) العنكبوت: 52

(3) لقمان: 30

(4) الأنعام: 136

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٥٤