تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أَهْوَاءَهُم (1)} ومن تأمل هذه الآيات عَلِم أن البينة الحق هي ما كانت من عند الله، وجعل الله مقابل ذلك العمى وسوء الفعل واتباع الأهواء.

ومن رفعة الله للمؤمنين أن جعل شهادتهم للحق أنها كافية كذلك لمن اعتبر كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (2)﴾، وهذا كقول الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: ((فإني أؤمن بذلك وأبو بكر وعُمَر)) ذلك لمّا تكلمت البقرة فقالت: إني لم أُخلق لهذا لكني خُلقتُ للحرث، فقال الناس: سبحان الله!

وأمّا كفر المعرضين بأن هذا القرآن من عند الله فهو لا يُغيّر من الحقيقة شيئًا، فهم وإن أعرضوا عنه فهم يعلمون أنه الحق، وقد قامت عليهم الحجة به، فلا يقولن أحد: كيف تلزمهم بشهادة القرآن وهم لا يؤمنون به؟ ذلك بأن شرط الإيمان المخالف للحق لإلزامه به غير صحيح، إذْ بهذا الشرط تبطل إقامة الحجة في الخلق أجمعين، وفي كل أبواب الحقوق؛ لأن ما من حق إلا وقد نوزِعَ فيه، ولهذا أقام الله القُضاة والحُكَّام، وهم يلزمونهم بالحق حتى لو أنكروه، وهكذا المؤمن يقيم حكم الله في غيره حتى لو أنكره، وبمجرد البلاغ بالتوحيد تحصل حجة الله على الخلق كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِي إِلَا دَخَلَ الَنَاَرْ)) فجعل - صلى الله عليه وسلم - مجرد السماع كافٍ لإقامة الحجة.

وشهادة الله كفايتها تُستمد من أنه الخالق العالم بكل شيء كما قال - سبحانه وتعالى -: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ومن كانت هذه صفته - جلَّ في عُلاه - فإنه الحق وقوله الحق وشهادته هي الحق، وهذا لا يقوله المسلم ابتداءً في الحِجاج والمناظرة، ولكن يَعذُر لمخالفيه ما استطاع من رد أقوالهم وتفنيدها، ومن بيان دلائل الحق، لا يألوا جهدًا في هذا، مع رحمةٍ على الحق وحب هداية لهم ورفق في القول، فإن فرغ من ذلك كله ولم يرَ إلا إعراضًا وكفرًا وكبرًا وغرورًا، أعرض عنهم مع هذا القول: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ (3)﴾ ومن تأمَّل خطاب مؤمن آل فرعون مع قومه عَلِم أن هذا آخر ما يُقال كما قال - رضي الله عنه -: {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ

(1) مُحَمَّد: 14

(2) الأحقاف: 10

(3) الرعد: 43

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٥٣