ثمَّت شذوذ من مُتبع فإنما بسبب فهمه لحقيقة هذه الشخصية، لا بسبب نقصانها هي في هذا الباب، وهذا تراه في المتعبدين على معنى دون معنى، وعلى من اقتصر على مقصدٍ من مقاصد القرآن دون جميعها.
ثم يأتي الانحراف من «التهوُّك» كما سمّاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمّا رأى صحيفة من التوراة بيد الفاروق فنَهَره بهذه الكلمة: ((أمُتَهوّكون أنتم)) فشذوذات الشخصية المسلمة المعاصرة إنما أسبابه قصر أفهام أصحابها عن إدراك حقائق القرآن، ثم الذهاب لغيره لإكمال نقائصهم. والقوم اليوم ذهبوا لتجارب الآخرين وآرائهم بغير عدة القرآن، وذهبوا على معنى الانبهار ومشاعر الانهزام، وليس معهم إلا عمومات الدين والقرآن والسُنّة، وحالهم كحال المُتكلّمين القدماء عندما أقبلوا على علوم اليونان وغيرهم، والذكي منهم من يعتقد أن حكمة الآخرين هي عينها حكمة الشريعة، فإن اختلفنا أُوِّلت الشريعة موافقة لحكمة الأقدمين، هذا مع ما عند الأوائل من فقه ودين وعلوم آلة، والمعاصرون اليوم - إلا من رحم الله - خاض هذا الميدان بلا سلاح، ولذلك أتوا بالطامات، ينصرهم بها فقهاء جدد زعموا أنهم غير مقلدين، بل هم مجتهدون، لكن أغلب اجتهاداتهم على معنى الاستحسان والتشَهِّي، يحيط بهذا كله ضعف عام وهزيمة شاملة وغياب تأثير من المسلمين في كل مناحي الحياة، فلم يزد الأمر إلا كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلُّوا وأضلوا))
قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا (1)﴾
هذه ثقة المؤمن بما معه من الحق، لا يحتاج فيها إلا إلى شهادة الله له بما معه من دليل الحق من كتاب الله تعالى، فإن أقبل الناس على الحق فهو خيرٌ لهم، وإن أعرضوا عنه فالله كافٍ في إعطاء الحق قوته، والله يقول: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (2)﴾ واكتفاء المؤمن ببينة الله في كتاب الله له أنه على الحق هي وصية الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - كما في هذه الآية وغيرها من الآيات كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (3)﴾، وقوله تعالى: {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا
(1) العنكبوت: 52
(2) هود: 17
(3) الرعد: 19