نعم، هناك من يصرخ في الصف الإسلامي مُستهجِنًا هذا المنهج، ويقول: "إن هذا منهجٌ إقصائي يَحرم صاحبه من الاستفادة من علوم الآخرين وتجاربهم." فنقول لهؤلاء: هل من الواجب أن نُذكّر أنفسنا والآخرين بأننا نتحدث هنا عن جانب القيم والمعارف الحَياتِيّة، وكذلك عن منهج الحياة وسُبُل إقامة الدين وتحقيق صورة الإنسان في حركته وسلوكه ومواقفه؛ لأن هذه الأمور هي من تصنع حقيقة الشخصية وتُميّزها، وبها يُعلن المرء نوع انتمائه وحقيقة انتسابه. ثم يُقال لهؤلاء، وهو من الواجب الذي علينا أن نتذكره وقد نَسِيَته الجموع اليوم وهي تعمل لإحياء الدين وإزالة الغربة أن في القرآن الكفاية في ما يُحقق لنا هذا الإحياء ودفْع الغربة، ولذلك فإن علينا أن نصنع الشخصية المسلمة التي يريدها القرآن قبل أن نَعرض عليها مفاهيم الآخرين.
وإذا كان مما قيل عن منهج الصحابة في هذه الصناعة أنهم مُنعوا عن كتابة الحديث حتى لا يختلط بالقرآن، فهل مفاهيم الآخرين أقل ضررًا من هذا الباب.
فالواجب أن نبدأ بالقرآن حتى تشربه القلوب والأنفس والأعمال، فإن جاء غيره بعد ذلك إنما يجيء على سبيل معرفة الجاهلية، ليُقارن بها ويتَّقيها، لا تشكل مُكونًا ثانيًا للشخصية المسلمة كما يريدها أهل هذا الزمان.
لقد قال الفاروق عمر - رضي الله عنه -: " إنما تنقضُ عُرى الإسلام عروةً عروة، إذا نَشَأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية."، فما سوى الإسلام مما يُخالفه في باب تكوين الشخصية الفردية والجماعية إنما هو جاهلية، ويجب على أهل العلم الإحاطة به، ليس فقط بمفهومه، ولكن باستنارةٍ وتعمُّق يفوق إدراك أصحابها لها، لِما يتحقق بهذا الإدراك من يقين على الحق، وبما يحقق العلم الواجب بالنور، لأنها بضدها تتبين الأشياء، فتحصل البصيرة بها التي تَمنع الاغترار بها والتعظيم لها.
إن أعظم شخصيات الوجود هو رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقد رُبيَّ على عين الله، وكان مقام الصحابة في الفضل هو بمقدار قربهم من هذه الشخصية المهتدية العظيمة، وهي شخصية تتَّبِع ما يوحى إليها من ربها، وكان عِماد هذه الشخصية هو قول الحكيمة العظيمة عائشة الصديقة - رضي الله عنها -: "كان خلقه القرآن."، ولا يقتصر مفهوم الأخلاق على معنى السلوك الأدبي والاجتماعي، بل السلوك الشامل للمواقف والاختيارات، وهي شخصية جمعت الربَّانية الكاملة مع تحقيق مقاصدها في الوجود من النصر على الأعداء، وبلوغ المقاصد الكبرى كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1)﴾، فهي شخصية قرآنية عمادها القرآن، ولن يبلغ أحد مقاصد الإسلام من رضى الله وتحقيق العبودية وكذلك تحقيق النصر إلا بالدخول في هذه الشخصية القرآنية والتمثُّل بها، واتباعها، ولزوم غرزها، فإن كان هناك
(1) النصر: 1