تَقَدَّم أن هذا أحد ردود القرآن على طالبي الآيات من المُتعنِّتين، وهو أن القرآن كافٍ للمسترشد طالب الحق الصادق، وكَوْن القرآن كافيًا لمعرفة الحق لمن أراد الإسلام وهَجْر الشرك، ولمن أراد معرفة صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسلك كذلك فيه الكفاية للفصل في المتخاصمين من أهل الإسلام، فما من نازلةٍ تقع للناس إلا وفي كتاب الله تعالى الهداية والجواب عليها، ولكن هذا القرآن عزيز ((كالإبل المعقلة)) كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن كان حفظه وثباته في الذهن لا يقع إلا بدوام المذاكرة والمراعاة له بالليل والنهار، وإلا تَفلَّت من صاحبه، فكيف لفهمه وتعلُّم معانيه وإدراك كنوزه، فإن هذا لا يقع إلا بأشد من ذلك، وإنما تُعرف الكنوز الثمينة بمشقة الحصول عليها، فالمبذول الهَيِّن لا يكون عزيز الجانب، ولا يكون غالي الثمن، فإن كان مُكلِفًا مُتعِبًا في الاستنباط عزّ جانبه وغلا ثمنه، وكذلك معاني القرآن وكنوزه ودرره فإنها تحتاج إلى التنقيب والتعب للحصول عليها، هذا مع تقوى وعبادة وإخبات ودعاء؛ لأن أمر هذه الجواهر والكنوز أمر دين وعلاقة عبادة مع الله تعالى، وهي لا تُبذل إلا لأصحابها اللائقين بها حملًا ورعاية ودعوة وجهادًا.
حقًا إن في القرآن الكفاية، ومن لم يكْفِه القرآن فذهب إلى غيره فهو ضالٌ محرومٌ من الهُدى والنور، فإن تيقّنتَ هذا علِمتَ أن الحق لا يُعرف بالتزيين، ولا بموافقة الهوى، ولا بكثرة الأتباع، ولا بزخرفة اللفظ، إنما الحق يعرف بدليله من هذا الكتاب، فهذا الدين حقيقته الاتباع، والمجتهد في دين الله هو الذي يعرف الحق من دليله، وليس الصانع الذي يخلق الأفكار ويبدعها كما هو أديان الآخرين، ولذلك فلا يقال عن امرئ «مُفكّر إسلامي» إلا وهو يُعمل فكره في كتاب الله تعالى فيأتي منه بالهدى والنور وأَجْوبة المُعْضِلات وكشف النوازل، ومثله «الفيلسوف الإسلامي» إن صحّت هذه النسبة، فهو الذي يُجيب على أسئلة الوجود من كتاب الله وليس بما يُستحسن ويشتهي.
وهذا الأمر وإن أنف منه البعض مخافة الاتهام بالتقليد واتباع الغير، إلا أنه هو دين الله تعالى الذي يُحقق معنى العبودية لله تعالى، والناس من غير هذا الكتاب في عِماية وضلال، واختلاف وفساد، يفترقون ويقتلون وكل أُمَّةٍ تلعنُ أُختها إلا المؤمنين فإن آخرهم يقول عن أولهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (1)﴾، ولذلك كان اتباع القرآن رحمة للخلق المهتدين به كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (2)﴾؛ أي إن المكتفين بهذا القرآن عن غيره هم أهل الرحمة والذكرى، وهم المؤمنون حقًا، وأما غيرهم فلا يدخلون في هذه الأوصاف.
(1) الحشر: 10
(2) العنكبوت: 51