بالحق، وأن الشُبَه النفسية والدعاوى العقلية لا تنتهي، ومن الخير للمؤمنين المهتدين ألا ينشغلوا بهذه الأوهام والظنون، ولا بهذه الشبهات، فالإسلام بيِّن في نفوس طالبي الحق والمسترشدين، يغزو قلوبهم من كل الجهات العقلية والقلبية، فيقبلون عليه، وقد يكون للبعض هَنات وتَردُد، لكن الله يعلم الصادق من الكاذب، والمسترشد من المكابر ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ (1)﴾ كما قال تعالى، ولا يغُرّنك إعراض قوم عن الإسلام وأنت مُعجب بجسومهم أو أموالهم أو أقوالهم، فهذه ليست مُقدِّمات الهداية، إنما الهداية الربانية تغزو القلوب التي فيها صلاحية قبول الحق والعمل به، ولو تأملتَ الشعوب التي كفَرت وما زالت على كفرها ولم يؤمن منها إلا الأفراد ثم رأيتَ سيرتهم في التاريخ لعلمتَ هذا الحال الموصوف حقيقةً، أمّا إعجاب زنادقة بلادنا بهؤلاء المشركين بمناهج حياتهم فهو من توافق الغُراب مع الغُراب، والشر مع الشر، ولا يعرف هذا إلا من خَبِر الأمم والشعوب وأخلاقهم، فإن الأمم التي لا تَعدّ قيم الحياة الأخلاقية من الأمانة والصدق والكرم والشجاعة إلا تفاهات، شعوب غبية، وأن مصالحهم الدنيوية ومنافعهم الشخصية هي معيار القيم، فهذه أمم لا تصلح قلوها موطئ قدم الحق والهداية، ومثل هؤلاء من يستهزئ بقيم الشرف والعِرْض والحياء والرجولة، ويرى من الغباء أن يموت المرء من أجل شرفه وعرضه فهؤلاء أضل من الدواب؛ لأن عامة الدواب تنتصف لعرضها وتموت من أجله، ولذلك فأنت ترى زنادقة بلادنا يُهوِّنون هذه الأمور كعفة المرأة، ويستهزؤون بالكرم العربي، وباحترام المرء كلمته، ويدعون إلى لحوق ركب المشركين في الدخول في البهيمية القذرة التي تتلاءم مع أطباعهم ونفوسهم الخبيثة. هؤلاء الذين يستهزؤون بالموت في سبيل العرض كيف لهم أن يحملوا هذا الدين فيموتون من أجل قيمه؟ وكيف لهؤلاء أن يموت أحدهم من أجل الدفاع عن رسول الله - سبحانه وتعالى - أو عن أزواجه أو عن أصحابه؟ إن هؤلاء خنازير تُهارش الخنازير على زريبة الطعام، لكنه ينام قرير العين وعِرْضه يُنتهك وشَرَفه يُهان.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ (2)﴾ تحتمل معنيين هما حقٌ في أنفسهما:
أولاهما: أن الله قادرٌ أن ينزل الآيات وهو على كلِّ شيءٍ قدير، وخلقه سبحانه لِما يريد إنما يقعُ بالكلمة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (3)﴾
ثانيهما: أن الآيات ستأتي، وهي مخبوءة في عالم الغيب ولن تأتيكم إلا فجأة وعلى قدرٍ من الله تعالى، وقد وقع آيات كونية قاهرة كشق القمر وظهور النار في الجزيرة التي أضاءت لها أعناق الأبل ببصرى، وهناك آيات قادمة مذكورة في أماكنها.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ (4)﴾
(1) فاطر: 8
(2) العنكبوت: 50
(3) يس: 82
(4) العنكبوت: 51