جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ? قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللَّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ (1)}
ويوجد هذا في مواطن أخرى من الكتاب الكريم، وذلك إعمالًا لقوله تعالى لرسوله: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ (2)﴾، وهو أمره كذلك لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ (3)﴾، وبهذا يَعلم الناس حقيقة هذا الدين، وحقيقة الرسل، وأن حقيقة هذا الدين إنما هي علاقة بينهم وبين الله، إن أجابوا الرسول - رضي الله عنهم -، وإن عَصَوْه غضب عليهم الله، وما الرسل إلا حَمَلة رسالة مُبلِّغين عن الله تعالى، فلا يَصُدنهم ما يروا من الرسل من الضعف أو البشرية أو غير ذلك، وهذا الذي قاله الرسل لقومهم لمّا اعترضوا على بشرية الرسل كما في سورة إبراهيم: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (4)﴾
وأمّا زعمُ الكَفَرة أن الرسالة حق ولكن يمنعهم من اتباعها حال الرسول وفقره كما قالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (5)﴾، أو أن أتباعه الفقراء والأراذل - كما يقولون - فإن هذا من الكذب على الله، والله يعلم كذبهم هذا وأعلم من عبيده فلا يحزنهم إعراضهم، وليقطع الله كلمة «لو» من ألسنة الدعاة وقبلهم الأنبياء فإن الأمر كما قال - سبحانه وتعالى -: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (6)﴾، وقال سبحانه لرسوله - صلى الله عليه وسلم - هاديًا له هذا الأمر على وجهه فقال له: ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ? إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (7)﴾ وهذا شأنُ الداعي إلى الله في كل وقت، وهو شأن العامل لدين الله، والمجاهد في سبيله لا يرى أن عملًا من أعمال الإيمان أو حالًا قدَريًا من أحواله سبَّبَ إعراض المشركين عن الدين، بل إن الأمر هو أن المؤمن يسمع ويهتدي، والكافر يُعرض ثم يذهب مُحتجًا لإعراضه بالأكاذيب.
وقولهم: ﴿لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ هو من الحِجاج بالباطل، ويدخل في هذا الباطل الذي طلبوه كل الباطل الذي يزعمون أنه مانع لهم من الهداية، وهي مذكورة في كتاب الله كثيرًا وقد تقدَّم بعضها، ومن تأمل هذا عَلِم أن الظنون والأوهام لا تنقطع من نفوس المُكذبين
(1) هود: 32 - 33
(2) الأحقاف: 9
(3) الأعراف: 188
(4) إبراهيم: 11
(5) الزخرف: 31
(6) الأنعام: 53
(7) الأنعام: 35 - 36