والنبي - صلى الله عليه وسلم - من أُمَّةٍ أُميّة، ولم يكن لها عِلم بكتب الأوائل ولا بأخبارهم كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (1)﴾ ولقد كان اليهود يسألون رسول الله أسئلة التعجيز لِما اختصوا به فيجيبهم بما يعلمون أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع ذلك يُعرضون ويكفرون. وهذه الطريقة القرآنية في الرد على المخالفين تبين أن الجدال في الأصول قبل غيرها؛ ذلك بأن الله أبان واقع النبي - صلى الله عليه وسلم - وعدم قراءته وكتابته، بل هو أُميّ كما جاء في آياتٍ أخرى، وأما ما جاء به من أخبار وأحكام فالجدال فيها فرعٌ من ذلك، فإن صحَّت رسالته وبان صدقه بان صدق جميع ما جاء به، لأن الأنبياء معصومون عن الكذب والخطأ في التبليغ.
ثم إن الله تعالى يُهيء من الأقدار ما يكون في ذلك الحكمة اللازمة للوجود، فإن رسولنا - صلى الله عليه وسلم - قد قدَّر الله له الأُميّة لحكمةٍ ذُكرت في هذه الآية، وهي قَطْع ظنون الباطل عنه، والأُميّة وإن كانت نقصًا في الإنسان إلا أنها في رسولنا - صلى الله عليه وسلم - مدحٌ وكمال؛ لأن الأمور يحكم عليها بمقاصدها، ثم إن في بلوغ المرء مبلغ كمال العلوم التي أتى بها رسولنا - صلى الله عليه وسلم - ثم يكون أُميًا ليدل على عظمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكماله من البشر. ومن حِكَم أُميّته - صلى الله عليه وسلم - لأمته أن يوقن أتباعه أن كل ما يأتيهم به إنما هو من عند الله تعالى، وهو وحيٌ لا يأتيه الباطل، وليس هو من قراءته، ولا من أَخْذه عن غير الوحي، وهذا مدحٌ لعِلْم النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن من مقاييس العلوم مدحًا وذمًا هو بيانُ مصادرها وطُرقُ أَخْذها، والوحي هو الحق، وأمّا غيره فإمّا ظنونٌ وإمّا هوى كما قال تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى (2)﴾
قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ (3)﴾
فيها أن أعْظَم مقام لهذا القرآن هو الحفظ في الصدور، وأما وجوده في غير الصدور فهو فرعٌ عن هذا المقام ومُعينًا عليه، كما أن فيها أن نسبة المرء للعلم لا تكون على معناها التام إلا بوجود القرآن في صدر هذا المرء. قوله تعالى: ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ دليلٌ أن الحفظ لألفاظه دون معانيه لا يجعل المرء عالمًا به على المعنى الممدوح في هذه الآية، بل لا يكون عالمًا حتى تكون في قلبه بُنية كاشفة لحقائق الحياة ومسائل العلم، فإنها حينئذ تكون بينة، سواء على معنى المفعول أو الفاعل، وهذا هو واجب أهل العلم حين يكون القرآن في صدورهم بأن يتفكروا في آياته ويتدبروها كما قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو
(1) هود: 49
(2) النجم: 24
(3) العنكبوت: 49