بالرسل جميعًا وكفرٌ بكتبهم وذلك كما قال تعالى عن قوم نوح في الشعراء: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (1)﴾ فجعل كفرهم بنوح هو كفرٌ بالمرسلين، وهو قوله سبحانه في قوم عاد وثمود وأصحاب الأيكة - قوم شعيب - عليه السلام - ذلك لأن كل رسول يُصدِّق غيره الذي سبقه، وكل الرسل بشَّروا برسولنا - صلى الله عليه وسلم -، فمن كَفَر برسولنا - صلى الله عليه وسلم - فهو كافرٌ بكتابه وكافرٌ برسوله وبالرسل أجمعين.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ هَؤُلاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ (2)﴾
أي: من العرب ابتداءً، وغيرهم من الأُمم تبَعًا. وذِكْر المؤمنين بالقرآن من أهل الكتاب السابقين ومن العرب هو من الحِجاج مع أهل الكتاب في الجدال معهم؛ ذلك لأن إيمانهم بهذا الكتاب على معنى العلم به كما هو شأن المؤمنين زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دليل على صدقه، فإنه لا يعلم أن أحدًا من أهل الكتاب ولا من العرب آمن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بأدلة أعْلَمته صدق الداعي، وبإيمان هؤلاء وبالأدلة التي عُرفت عنهم كانت الحجة على المعرضين، وأن إعراضهم إنما هو إعراض البغي والحسد والكبر، ولذلك قال تعالى لبيان هذا المعنى في ختام الآية: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ (3)﴾ والكفر هو ستْر الحق كما هو شأن الزارع في ستر البذرة في الأرض. وسياق هذه الآيات الآمرة بالجدال ثم حال الناس مع الكتاب وحُجَّة أهل الحق فيه يدلُّك على معنى التلاوة التي أمر الله بها في الآية المتقدمة بقوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ فهذا القرآن كتاب حياة لعِلْم الناس وعلومهم، وهو سلاح المؤمنين، لا يستقيم لهم علم ولا قوة أمام خصومهم إلا به، فإن ابتعدوا عنه تعرَّوا من قواهم، وتمكن أعداؤهم منهم، وبالعلم بالقرآن واتخاذ علومه سلاحًا مع الآخرين يجعل المنكرين على حقيقة من أنفسهم، أي أنهم يعلمون الحق ويظهر لهم جليًا صادقًا، فإن كفروا كفروا على بيّنة من أنفسهم، وقامت حجة الله عليهم.
وهؤلاء المنكرون ليس لهم إلا أن يقولوا إن هذا القرآن من وضع محمد - صلى الله عليه وسلم - فالله يقول لهم رادًا على هذه الحجة الباطلة: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾، فما في القرآن من علوم وأخبار وشرائع يعلمُ بها أهل الكتاب أنها من مِشْكاة الكتب الأولى وأنه من عند الله، وعلومهم هذه لا يتداولونها شِفاهًا فتنتقل بين الناس وتفشو بالألسنة، بل لا يعلمها الواحد منهم إلا قراءةً وتلاوة، وهذا الرسول أمي، لا يقرأ ولا يكتب، فإن قال شيئًا هو مكتوم عندكم لا يعلمه إلا من قرأ منكم كان هذا دليلًا أن ما جاء به هو من عند الله تعالى.
(1) الشعراء: 105
(2) العنكبوت: 47
(3) العنكبوت: 47