تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الموضع هنا من ذكر القرآن بعد ذكر أهل الكتاب، ففي سورة الأنعام قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ? وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ (1)﴾، وقال فيها كذلك: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ? وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (2)﴾ وفي سورة الأنبياء يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ ? الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ? وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (3)﴾ والقرآن كما قال تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا (4)﴾ في أسلوبه وحُجَجه ومعانيه، ولا تهتدي لسباق الآيات إلا إن عَلِمت ما يشبهها في موطن آخر فها هنا - كما تَقَدَّم - لمّا ذكر الله أهل الكتاب في الجدال، وهم بهذا الكتاب مُفترون يستفتحون على غيرهم به، وهو كذلك حجّتهم في الجدال، فأعلمَ الله رسوله بأن له من الفضل ما لهم، وفيه من الحق ما يقوم بالحِجاج معهم والغَلَبة عليهم، هذا مع ما علم أن هذا الكتاب - أي القرآن - أعظم شأنًا من الكتب السابقة كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ (5)﴾

قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ (6)﴾

وهم من آمن من أهل الكتاب، وهم من تقدم ذكرهم في الآية السابقة واستحقاق مجادلتهم بالحسنى، فإنه لا يوجد مُنصف منهم يجادل بالقرآن وبما معه من الكتاب إلا واعترَف بصدق نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وإنما يمنعهم الكبر والحسد كما قال تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ (7)﴾

وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ دلَّ على أن الكافر من أهل الكتاب الذي ردَّ دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - هو كافرٌ بكتابه كذلك، فلذلك لا يستحقون الدخول في مسمى ﴿آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ وحالهم كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً (8)﴾ فهم أُوتوه ظاهرًا وكفروا به حقيقة، ومن المعلوم أن الكفر برسولٍ هو الكفر

(1) الأنعام: 91 - 92

(2) الأنعام: 154 - 155

(3) الأنبياء: 48 - 50

(4) الزمر: 23

(5) المائدة: 48

(6) العنكبوت: 47

(7) البقرة: 90

(8) الجمعة: 5

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٤٤