قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ هذا على معنى الأمر لا الخبر، فهو داخل في قوله تعالى للمؤمنين: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا﴾ أي: لتتخذوا الإله الحق إلهًا لكم كما هو إلهٌ لنا، وليس على ما يستخدمها الضالون اليوم من تَزْكية أديان المشركين من أهل الكتاب، وزعمهم أن الإله الذي يعبدونه هو الله الذي يعبده أتباع محمد - صلى الله عليه وسلم -، فإن الله وصف آلهتهم الباطلة بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (1)﴾ وكذلك سؤال الله لعبده عيسى - عليه السلام - يوم القيامة يدل على أن المنتسبين إليه يعبدونه من دون الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ (2)﴾، وآيات أخرى تُبين أن إلههم باطل، إنما هو عبد الله تعالى، ولذلك حكم الله بكفرهم في قوله: ﴿قَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ (3)﴾ في آيتين في سورة المائدة. كما جاء في الآية اختصاص أتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - بالإسلام دونهم فقال سبحانه: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
ومن نظر في آيات القرآن التي يتخذها أهل الباطل دليلًا لباطلهم فإنه يعلم منها قبل غيرها أن استدلالهم باطل وفيها الرد عليهم؛ لأن ما من آية إلا وهي حقٌ بذاتها، ولكن قد يبقى فيها معاني متشابهة فيجب على المتّقي أن يحملها على المُحكم وهو لا شكَّ موجودٌ في كتاب الله في موضعٍ آخر، وسيتبيّن لك أن المُحسن من أهل الكتاب هو من آمن بالقرآن كما في الآية التالية.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ ? وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ? بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ (4)﴾
كان من شأن أهل الكتاب الاستطالة على غيرهم بأنهم أهل كتاب مُنَزَّل، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا (5)﴾ وهم في جدالهم مع المؤمنين سيفتتحون عليهم بهذا، فأعلَمَ الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن هذا ليس من خصوصيتهم بل هو صاحب كتاب، وأتباعه أصحاب كتاب أُنزل إليهم، فلذلك قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ وهذا المعنى أي: أن يذكر شأن الكتاب المُنَزَّل وهو القرآن بعد ذكر الكتاب السابق مذكور في مواطن متعددة من القرآن؛ ذلك بأنك إن عَلِمت هذا الخطاب القرآني تبين لك مناسبة هذا
(1) التوبة: 31
(2) المائدة: 116
(3) المائدة: 73
(4) العنكبوت: 47 - 49
(5) البقرة: 89