وهذه السورة - أي الشورى - كلها تُبيّن الافتراق وحقيقته ونهاية كل فريق، فالتنوع في الحق ممدوح وحكمته لعَمَار الأرض وبقاء الوجود فقال: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ ? أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (1)﴾
وأمّا الافتراق على الدين من فعل الإنسان وإن كان من قَدَر الله فمذموم وسببه هو قوله تعالى فيهم بعد قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2)﴾، وبَيَّنَ في السورة طريقة حل الاختلاف بعدها سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (3)﴾، وقد جعل الله فيها أن الحق هو ما دعى إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((فلذلك فادع واستقر كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم، الله ربنا وربكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير))، سورة الشورى هي عُمْدة هذا الباب لمن أراد دين الله حقًا فلَيعُد إليها.
ولذلك فلا يُحتج على جواز الافتراق في التوحيد شرعًا بالحكم القَدَري إلا ضال إن لم يُبعد عنه الكفر؛ لأنه من جواز الضلال شرعًا كان كافرًا، والناس إن افترقوا في هذا الباب فإلى َمقامَيْن كما قال تعالى في سورة النحل: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (4)﴾ أمّا الآية في سورة المائدة في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (5)﴾ فهذه نزلت في اختلاف شرائع الأنبياء لا في اختلاف الناس في التوحيد، مع أن في هذه الآية الرد على من سَتَر بعض الدين أو أفتى بالأيسر - كما يزعم - تحبيبًا للناس في دين الله تعالى، فإن الله يقول فيها: ﴿لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ فالشرائع ابتلاءٌ للعباد كما قال تعالى في حكم تغيير القبلة: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِيْ كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُوْلَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ (6)﴾ فمنهج القرآن وطريق الأنبياء يخالف الحكمة المزعومة لهؤلاء المعاصرين، والرد على هؤلاء وعلى حكمتهم من كتاب الله مبسوط لمن تفكر فيه.
(1) الشورى: 49 - 50
(2) الشورى: 9
(3) الشورى: 10
(4) النحل: 93
(5) المائدة: 48
(6) البقرة: 143