تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أمّا التضليل من أمر التوحيد والدعوة إليه، فهذا عمل الضالين والجاهلين، وفيه التزوير والخداع؛ لأن واجب العلماء الربانيين أن يُبينوا للناس حقائق أديانهم، ومستقر ديارهم يوم القيامة إن ماتوا وهم كَفَرة بدين الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لكن أن يمتنع البعض من تسمية المشرك مشركًا والكافر كافرًا، فهذا من خداع الناس والكذب على الله وعلى دينه، وليس هذا من الحكمة في شيء؛ لأن الحكمة ليست هي قَلْب الحقائق أو طمسها وتغييبها، بل الحكمة في وسيلة إيصال الحقائق الجليَّة للنفوس بطريقة حَسَنة، وأما الأحكام الشرعية وأوصاف الناس على ما هم عليه فلا يجوز كتمها عن أصحابها؛ لأن في إظهار الحق إقامة للحجة التي بعث الله من أجلها الرسل.

فالعمل بهذه الآية لا يكون بحَمْلِها على غير دعوة التوحيد، وإن كان الإحسان إليهم من أجل تقريبهم للخير أو دفع شرهم عملًا مشروعًا ومُستحبًا إن لم يكن واجبًا، ولكن كون الشيء مشروعًا شيء، والاحتجاج بآية وحديث عليه شيء آخر، لكن من عجائب بعض من انتسب للعلم في زماننا، وانتصب لإفتاء الناس إذْ يُعرض عن دعوتهم للتوحيد ويرى أن الدين فقط بالإحسان إليهم ومؤاكلتهم ومشاربتهم ومشاركتهم في مظاهر باطلهم، فإن ذُكِّر بوجوب دعوتهم ذهب لجهله وضلاله يبرر الافتراق في الأديان بالآيات التي تُبيّن تنوُّع الخلق وافتراقهم في أديانهم وحياتهم، وكأن هذه الآيات التي يبيّن لله قَدَره في الخلق حجة لكفر الكافر وشرك المشرك.

وهذا النوع من الاحتجاج اليوم كثير، كتفسيرهم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ (1)﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ? إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ (2)﴾، وغيرها من الآيات التي تبين تنوع الخلق في أديانهم وافتراق عقائدهم، فيجعلها هؤلاء الضالون حجة على بقاء المشرك على شركه، وعلى صواب هذا الافتراق، وترى أحدهم يتلو قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ? إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ ولا يستحي من الله ولا من خلقه وهو يغضُّ الطرف عن قوله تعالى فيها: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ أي إن المرحومين ليسو كذلك، بل دينهم واحد وشريعتهم واحدة، وحكمة الافتراق مذكورة في آيات كثيرة منها ما قاله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ? وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (3)﴾، فالافتراق على الدين غير محمود كما قال في نفس السورة: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ (4)﴾ ولكن خالف المشركون هذا فافترقوا عن الحق فصاروا إلى عذاب الله ﴿وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾، فمن أين لهؤلاء الذين يمدحون الافتراق الدليل على ذلك والله جعل المُفتَرِق عن الحق إلى السعير؟

(1) التغابن: 2

(2) هود: 118 - 119

(3) الشورى: 7 - 8

(4) الشورى: 13

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٤١