وحياته هو قاسمٌ مشترك لجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ فالمُنكرون على رسولنا - صلى الله عليه وسلم - الزواج بأكثر من امرأة يعلمون من صفات الأنبياء في كُتُبهم أن هذه صفات الرسل من قبله كما قال تعالى في سورة الرعد: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً (1)﴾
وأمّا الشرائع التي يتهمون بها الإسلام وأنها ظالمة أو قاسية كما يقولون، فهي شرائع الأنبياء المُمَكَّنين من قبل، بل إن الله - عز وجل - رحم العالم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأسقط عنهم الكثير مما كان من شرائع العقوبة عليهم كما قال تعالى في سورة المائدة: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ (2)﴾ وهذا باب يحتاج لوحده إلى مُصنف خاص ولولا الإطالة لذكرتُ حكم التوراة في الزاني وأموال المعاندين للرسل، ورد المسلوب، والتعويض عن الخطأ والقصاص، وحرمة القمار واتخاذ الأصنام والصور، وعدد الشهود المعتمدين في الأحكام والقضايا وغير ذلك مما هو مذكورٌ في كتبهم، وهي تُبيّن أن ما جاء به رسولنا هو الحق، وأن صفات النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفسه وأهله وأتباعه ومعانديه هي صفات الرسل من قبل، والسؤال المطلوب منهم إنما هو نوع من الجدال، وهذه الآيات لا يقول قائل بنسخها لأنها من دلائل النبوة، ودلائل النبوة أخبار، والأخبار لا يلحقها النسخ، إنما النسخ للأحكام كما هو معلوم.
ومما يُحمَل عليه معنى الظلم في الآية هو السب والبهتان الذي يتخذه البعض طريقًا في إنكار دين الإسلام، فمثل هؤلاء لا يُطلَب جدالهم، لأنهم أخباث لا يريدون الحق ولا يسعون إليه، بل هم شر قد وُطِّنت نفوسهم عليه، فيعرض عن هؤلاء، ولا يخاطَبون خطاب العقلاء.
قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (3)﴾
فهذا هو ما يُدعى له أهل الكتاب، ولا يذهب إلى غيره إعراضًا عنه وتصغيرًا لشأنه كما يفعل الجاهلون، فإن قول البعض إن دعوتهم إلى الإسلام ليس مقصدًا من مقاصد الحوار، ولا هو مما يعتنى به، بل يقام الحوار من أجل المقاربة بين الدينين، أو من أجل مصالح دنيوية مشتركة هي أقوالٌ باطلة ولا يجوز أن يُحتَجَّ بهذه الآية على فعلهم، إذْ الآية صريحة أن الجدال الحق الذي دعى إليه القرآن إنما هو الجدال من أجل دعوتهم لتوحيد الله ونَبْذ الشرك كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (4)﴾؛
(1) الرعد: 38
(2) المائدة: 15
(3) العنكبوت: 46
(4) آل عمران: 64