في هذه الآية من قوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (1) بيان إعمال آيات الكتاب التي أمر الله رسوله بتلاوتها؛ وذلك بجدالهم به كما قال تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (2)﴾ وذلك دليل على أن التلاوة التي أمر الله بها هي تلاوة تدبُّرٍ وتفكُّر، لا قراءة الأماني - كما تَقَدَّم - ومن قرأ كلام أهل العلم السابقين في تفسير هذه الآية فإنه يرى لهم قولين:
1. القول بنسخها بآية السيف، إذْ لم يبقَ أمام أهل الكتاب إلا الإسلام أو الجزية أو السيف.
2. وقال آخرون ببقاء حكمها، أي أن الجدال بالحق وبالحسنى باقٍ معهم إلا من ظلم.
والظلم هنا عند أهل العلمِ أَجْمَع هو رفض الإسلام أو دفع الجزية، وليس كما يظن المعاصرون من أن معنى الظلم هنا هو الاعتداء على المسلمين، وتفسير المعاصرين اليوم لمثل هذه الآية دليلٌ على طُرُقهم في تفسير المصطلحات على معاني جديدة لم يقُل بها الأقدمون، وإنما هي معاني عُرفيّة معاصرة؛ وهذا من التألي على الله تعالى، إذْ الواجب الحذر من تطوّر المصطلحات العُرفيّة وحَمْل مصطلحات القرآن على المعاني الجديدة، وهذه فتنة قديمة أَوْقعت أصحابها في الانحراف والضلال.
ومن سبب هذا الانحراف أن المعاصرين لا يرون مجاوزة حق الله ظلمًا، بل الظلم عندهم هو أكل حقوقهم فقط، أمّا الشرك والكفر وسب الأنبياء والقول على الله البهتان فليس عندهم من الظلم في شيء، ولا يثير فيهم الغضب، ولو قيل عن أحدهم ما يُقال عن الله من الظالمين لغَضِب وانتفخت أوْداجُه، ولو قيل فيه ما يقال عن الحبيب المصطفى لصرخ وطلب الانتصاف، وهذا لتعلم مقدار عظمة الله تعالى ومقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قلوب مَنْ يأكلون المال ويَتَبوّؤون المناصب باسم الدين وبكلمات الله تعالى.
أمّا القول الحق في قول أهل العلم هل هي منسوخة أم لا، فإن ما اختاره ابن جرير من عدم النسخ هو الصحيح، ويجب المصير إليه؛ لأن بقاء حكم هذه الآية هو بقاء الدعوة إلى الله بالحكمة، وبقاء رد الشبهات التي تعترض قلوب الناس وتصدُّهم عن دين الله الحق، وإذا كان أهل العلم حَمَلوا تفسيرها على طوائف أهل الكتاب المُتمكنين ومن لهم الشوكة فإن عموم الآية يشمل غيرهم من كل فردٍ يطلب الجدال لإظهار الحق لنفسه أو لغيره. والقول بنسخها يؤدي لزومًا إلى إبطال آيات أخرى تدعو إلى سؤال أهل الكتاب عن حقائق الدين المرسل مما بَقِي عندهم ويعلمون بها صفات الرسل وشرائعهم ﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (3)﴾؛ ذلك بأن كثيرًا مما يُعاب على شريعة الإسلام وعلى شخص الرسول - صلى الله عليه وسلم -
(1) العنكبوت: 46
(2) الفرقان: 52
(3) يونس: 94