تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ? فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (1)}؛ وهذه الآية يُبيّن آخرها أولها، ولا يَحتَج بها على ضلاله في تزكية المشركين من أهل عصره من أهل الكتاب إلا من ستر آياتها كما كانت كما كانت تستر اليهود آيات الرجم من التوراة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالله يَصِفهم أنهم قد آمنوا لمَّا عرفوا الحق بآيات بيِّنات لا تحتمل تأويلًا.

لكن قد يسأل سائل: فلِمَ مَدَح هؤلاء القسيسين والرهبان دون غيرهم وذَمُّ اليهود مُقابلهم؟

فالجواب بأمورٍ منها:

- لقد أسلم الكثير من النصارى زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعد وفاته، بل إن الموحدين الذين بقوا على دين عيسى - عليه السلام - وكانوا مضطهدين من قِبَل المشركين قد دخلوا في الإسلام، ومن قرأ تاريخ هؤلاء عَلِم أن كثيرًا من بلاد الإسلام إنما مادةُ الإسلام من هؤلاء، وهذا بخلاف اليهود فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود)) فلم يُسلم في زمن رسول الله ما بلغ هذا العدد، وهم في التاريخ كذلك، وعداوتهم أشد، وقد قطع الله أمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإسلام يهود بقوله تعالى بعد أن ذَكر قصة البقرة في سورتها: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (2)﴾

- ثم إن الله قد رفع درجة المؤمن من أهل الكتاب إلى أجرين كما في الحديث: ((ثلاثة يؤتَوْن أجرهم مرتين؛ الرجل تكون له الأمة فيعلمها فيحسن تعليمها، ويؤدبها فيحسن أدبها ثم يعتقها فيتزوجها فله أجران، ومؤمن أهل الكتاب الذي كان مؤمنًا ثم آمن بالنبي فله أجران، والعبد الذي يؤدي حق الله وينصح لسيده له أجران)) هناك آية واحدة تُحمل على العموم في أهل الكتاب، أي كل من دخل في هذا الاسم بعد بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى لو كفر ببعثته - صلى الله عليه وسلم -، وهي قوله في سورة آل عمران: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (3)﴾ فهذه عامة لا مُخصص لها - فيما أعلم - في كتاب الله تعالى.

فإياك وخديعة أولياء الشيطان ممن يحسّنون دين الباطل ويمدحون ما ذَمّه الله، ويروجون الأباطيل، ثم يزعمون أن هذا هو دين الله ليرضى عنهم أهل الكفر.

(1) المائدة: 82 - 85

(2) البقرة: 75

(3) آل عمران: 75

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٣٨