تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (1)} فيكون المهتدي الذي يهدي بالحق هو مَنْ تقدم وصفه وأجاب دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأنه للناس جميعًا.

أمّا الذين كفروا بدين النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - من بني إسرائيل فليسو مهتدين في أنفسهم، ومن كان كذلك فإنه لا يستحق الدخول في قوله تعالى: ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾، ومثلها قوله تعالى في سورة آل عمران عن أهل الكتاب: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ? يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ? وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (2)﴾ والقول فيها هو القول المُتقدم، فإن الله وصفهم بتلاوة آياته والسجود له، فهل يُقال عمن قرأ الكتب المُحرّفة التي فيها من الضلال والكفر تالٍ لآيات الله آناء الليل ساجدًا؟ نعوذ بالله من ضلالات وزبالات المعاصرين من الكاذبين على دين الله تعالى. ثم هل مَنْ حارب دين الله الذي بُعث به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طيلة عمره، وسَبَّه، واتهم رسول الله بالكذب يصح أن يُقال فيه: يأمر المعروف وينهى عن المنكر؟ بل هل يصح أن يوصف بوصف التقوى؟

إن هذا القول إنما هو التَلعُّب والضلال، كما أنه حَمَل كلام الله على معاني الكُفر التي برّأ الله كتابه منها؛ ولذلك فمن قرأ قول العالمين بكتاب الله تعالى لم يجد هذه الضلالات التي يقولها المعاصرون، لأن أهل العلم أتقى وأورع وأعلم من أين يقولوا هذا الضلال الشنيع، وإنما هذه أوصاف المؤمنين حقًا من السابقين الذين قضوا قبل بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو الذين آمنوا به لمّا سمعوا عنه فعرفوه أنه الموصوف في كُتبهم. ثم تأمّل قوله تعالى عن أنبيائه لأتباعهم، كيف قد أخذ عليهم الميثاق أن يؤمنوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يروه، وأن يتبعوه إن جاءهم في حياتهم، ثم تأمل كيف وصف المُعرض منهم لو فعل، وهي آيات في سورة آل عمران التي فيها قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾.

يقول تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ ? فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (3)﴾؛ فإذا كان هذا هو حكم النبي إن أعرض عن اتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - إن جاءه فهل تابِعُه بريء منه؟ وكذلك قوله فيهم: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ? وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ? وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا

(1) الأعراف: 158

(2) آل عمران: 113 - 115

(3) آل عمران: 81 - 82

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٣٧