تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ ? الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (1)}، ولذلك فإن التجديد لن يكون في الأُمَّة بإثارة علومٍ جديدةٍ فقط، ولا بإزالة أوهام الجهالات عن طريق البيان، بل إن التجديد إنما يكون في الإرادة كذلك، حيث تنشط هذه الإرادة أول ما تنشط في قوة علاقتها مع الله بدوام الذكر والمراقبة والإحسان، وبكثرة الصلاة وإطالتها حتى تكون هي متعته وراحته في خلوته؛ ذلك بأن مشقات هذه الطريق كثيرة، ولا بُدَّ من مدد يُعين على تواصلها، كما أن تعبد العامل والداعي يجعل في دعوته معنى التميز عن بقية الدعوات، وأن ما يدعو إليه إنما هو أمر دين وعبادة، حتى لا تنزل هذه الصورة إلى صور أرضية مشوهة يرى فيها الناس الهوى والشهوة والفساد. فعلى طالب العالم والداعي والمصلح أن يتميز بأعظم حليةٍ في الوجود وهي حياة العبد، ينصب قدمه لربه حين يغفل الناس، ويذكر ربه في سره وعلانيته، ويكون له ما يختص به من أعمال صالحة من قيام وصلاة ليل ونهار؛ ذلك لأن ذكر الله حياة القلوب ومدد علومها ومعارفها، والغفلة موت القلب وقسوتها وجهلها، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((سبق المفردون)) قالوا: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: ((الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات)) فمثل هؤلاء هم من يجمع الله القلوب عليهم، ويعطيهم قوة الأثر في الوجود، ويحصل بهم الصلاح والتغيير، فتتغير بعن الوقائع والأعمال والإنسان. فحين تصبح أعمال العبادة حقيقة في نفس صاحبها، مصاحبة له، وليست هامشًا لا يأتيها إلا عرضًا فإنها تحدث لهم أعظم الأثر، وهو مراقبة الله تعالى كأنه يراه - كما جاء في الحديث الشريف -، وبهذا يتحقق قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ (2)﴾ وبالمفهوم نعلم أن إتيان الفواحش والمنكرات من المرء على معنى الإصرار والمجاهرة والمكابرة يعني أنه ليس صاحب صلاة، حتى لو أدَّاها على معنى الظاهر؛ لأن الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر هي التي أمر الله بإقامتها كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ? الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (3)﴾ ولحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي رواه أبو دوواد في سننه: ((إن الرجل لينصرف وما كُتب له إلا عشر صلاته، تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها)) فحينئذ يفهم أن ما يتحقق من أثر الصلاة على المرء بمقدار إتيانه حقيقة الصلاة، كما لا بُدَّ من أن يراعى حال المرء وهو يصلي، ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كَفَر)) فإن المرء حين يأتي بالصلاة على هذا المعنى فإنها تُحدث الأثر الذي قاله الله تعالى، وإلا فإن بعضهم لا يرى هذه المعاني في الصلاة، بل هو لا يراها شعارًا للإيمان، ولا يرى نقصًا في تارك الصلاة، فضلاً أن يقول بكفره كما هو الصحيح، فهذا لا يَعرف الصلاة، ومن حاله كذلك فلن تُغيّر من شأنه؛ لأن أثر العبادات في النفس يكون بإدراك معانيها وحقائقها، وهذا نوعٌ من أنواع إقامة الصلاة على حقيقتها كما أمر الله تعالى.

(1) الأنبياء: 48 - 49

(2) العنكبوت: 45

(3) المؤمنون: 1 - 2

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٣٤