وبفسادها تفسده أعمالهم، فحين ينحرف العامل عن القرآن تغزوه الشبهات وآراء الجاهلية ومذاهب الباطل، وحين يضيّع الصلاة تغزوه الشهوات؛ ولذلك أمر الله رسوله بهذين الأمرين، فهما أعظم ما يأتي العبد الصالح، ليكون عالمًا عابدًا، عنده موانع الشهوات والشبهات ليَخْلُص إلى مرضات الله في الدنيا والآخرة.
إن هذا الأمر أمر دين وعبودية وإخبات، مقصده الأعظم تحقيق رضى الله ودخول الجنان، ومسالك العامل في الحياة إصلاحًا لعوالم الوجود السياسية والاقتصادية والاجتماعية لا تجعلها أصلًا في تحقيق الشخصية القرآنية كما وقع فيه بعض الدعاة، حيث تحولت الشخصية عندهم إلا هذه الفروع مُنقطعةً عن الإخبات والتَّعبد والتَبَتُّل، بل إن بعضهم جعل هذه الأعمال فروعًا لإطار رجل السياسة والإصلاح، وهذا انحراف في عمد الشخصية القرآنية المهتدية، فإن الأصل وعماد الصورة وإطارها هو ما قاله تعالى عن عبيده المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ? الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ? أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (1)﴾ وهذه آيات مقدمة سورة الأنفال التي وصف بها عباده المجاهدين الذين تحقق بهم أعظم انتصارات الإسلام يوم بدر.
فالصلاة ليست فرعًا لتكميل صورة المسلم، بل هي أصل ركن الصورة، على الحقيقة التي كان عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله: ((وجعلت قرة عيني في الصلاة))، وكلما كان المرء قريبًا من هذه الحقيقة كان أقرب إلى الشخصية النبوية المهتدية، وكلما كانت الصلاة في نفسه أبعد عن هذه الحقيقة كان أبعد عن حقيقة الإيمان التي علَّق الله عليها وعوده بالنصر والتأييد والهداية والقبول.
المصلحون الحقيقيون في تاريخ أُمّّتنا - وهم أهل التجديد - لم تكن شخصيتهم فكرية علمية خالصة، وإن كان لهم حضور في هذا الباب عظيم، لكن معالم هذه الشخصية كانت تتميز بعمق الإخبات والذِكْر والإنابة، وهذا قبسٌ من الصورة النبوية كما يعرضها القرآن كقوله عن زكريا - عليه السلام - وأهله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (2)﴾ وكقوله عن إبراهيم: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾ (3) وكقوله عن أبناء إبراهيم - عليه السلام -: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (4)﴾ وكقوله عن موسى وهارون: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ
(1) الأنفال: 2 - 4
(2) الأنبياء: 90
(3) هود: 75
(4) الأنبياء: 74