تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أمّا إن شئت أن ترى واقع الجماعات الإسلامية وهداية مناهجها فانظر إلى حال المبتدئ فيها وحال القائد، فإنك ترى - إلا من رحم ربي - ظنه كلما ارتفع الرجل فيها، وارتقى مناصبها قلّتْ عنايته بالقرآن والنظر فيه، فما يُسمى بالقواعد فيها هم في دينهم خير من قيادتهم، ترى هذا في مرتبة الاعتناء بالصلاة والجماعة والهَدْي الظاهر وقيام الليل، وقراءة الحديث ومعرفته، فكلها تكشف لك الفرق في تديُّن الناس ومراتبهم فيه، هذا مع أن كثيرًا من الأحزاب اليوم لو قيل لها: إن من هَدْي الصحابة تَوْلية القُرَّاء وتقديمهم. لاستهزؤوا بذلك؛ لأنهم يظنون أن أمر القُراء للتعبد، وما هم إلا "دروايش" مساكين، ومثل هؤلاء لا يصلحون لشأن الحياة، ويُبرهنون على مقالاتهم هذه بأن هؤلاء العباد ومتشجون! وهذه عندهم صفات الغباء، بخلاف أمر القيادة فإنه يحتاج إلى الدهاء والمكر والخديعة والتي يسمونها السياسة في خطابهم، ويؤيد مذهب هؤلاء القوم هو عدم فقه القراء اليوم بالقرآن، وعدم اعتنائهم بمعانيه التي يحتاجها المسلم في دعوته وحياته ومواقفه، ولكن بَدَل أن تُعاد الحياة للقلوب بهذا القرآن ودوائه، وبَدَل أن تُزال الغشاوة عن القلوب في فَهْم القرآن والتعامل معه ذهبوا مذاهب شتى - كما قدَّمنا -، فكان الأمر إلى ما وصلنا إليه من انحرافٍ داخلي، وهزيمة في ميادين الحياة.

وإني - بفضل الله تعالى - طفتُ مذاهب اليوم كلها، علمًا وتَقَفُّرًا لأحوال أهلها ورجالهم فلم أرَ وصف أهل القرآن والقُراء اليوم على معنى الأوائل يُطلق إلا على أولئك الفتية الذين دخلتهم العيون، واحتقرتهم نفوس مدّعي الفكر والسياسة، لكنهم يصنعون التاريخ، ويبنون لأنفسهم قصور الخُلْد في دار الجنان، فاللهم ألحقنا بهم وبلِّغنا مراتبهم ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ (1)﴾ ولولا أن الأمر عند الله أمر حقائق، ولولا أن هذا الدين اتباع قبل كل شيء لمَا سبقنا الناكبون عن الحق في شيء، بل - بفضل الله - إن المرء ليَعْلَم أكثر مما يعلمون، وله لسانٌ وقلم لو أراد به مرادهم لحسّن الباطل وآراء الجاهلة أكثر مما يعلمون، لكن الأمر يوم القيامة على قال تعالى: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (2)﴾

قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (3)﴾ القرآن أصلُ العلم ومنتهاه للعاملين والسالكين في رحلة الإيمان والحق، والصلاة أعظم أعمالهم وأجلُّ عباداتهم، فمن لم يجعل القرآن له مُعلمًا فقد ضلَّ وغوى، ومن ترك أعظم العبادات فهو لغيرها أَضْيَع، فهي ميزان كل عمل، بصلاحها تصلح أعمال المرء،

(1) الكهف: 28

(2) العاديات: 10

(3) العنكبوت: 45

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٣٢