وهو مرأة وجودهم كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (1) ومن تعامل مع القرآن على هذا المعنى وهذا الهدى فإنه سيرى أن أحق العلوم التي يجب إحياؤها في الأُمَّة تفسير القرآن، وأن أحق ما يجب على الدعاة والعاملين والعلماء أن ينظروا فيه هو القرآن؛ لأنه وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمته فهو آخر ما دعاهم إلى الاعتناء به، ومَنْ فَهِم هذا عَلِمَ كيف عجز الصحابة - رضي الله عنهم - عن فِهْم ضلال هذه الأمة وفيها كتاب الله، ولو رأوا حالنا لفهموا كيف وقع هذا، إذْ أن أعظم الناس دعوى أن لا صلاح للأمة بكتاب الله هو من يظن أن المقصود بذلك إعمال أحكامه الشرعية الفقهية على المعنى الاصطلاحي، وهذا حق ولكن الأمر أعظم من ذلك، وهداية القرآن أجلُّ من اقتصارها على هذا المعنى.
هذا مع التلاوة التي أمر الله بها هي تلاوة التدبُّر والتَمَعُّن؛ لأن الله عابَ على أهل الكتاب اقتصار علومهم للكتاب على القراءة فقط فقال - سبحانه وتعالى - عنهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ (2) أي: قراءة حروفه دون التدبر في معانيه، لكن كيف لعاملٍ لدينِ الله تعالى أن يفقه معانيه وهو لا يأتي كتاب الله إلا هجرًا.
إن الناظر لسيرة العلماء القدماء ليرى أن مما هو مذكور في تاريخهم وخصالهم تحزيبهم لكتاب الله تعالى، فهذا يقرؤه في أربع كابن جرير الطبري، وهذا يقرؤه في سبع كأحمد ابن حنبل، وهذا يقرؤه في عشر كابن تيمية، وهكذا كان هذا مما يحضُّون عليه ويتذاكرون به، فهل ترى هذا اليوم في أهل العلم والدعوة والعمل لدين الله تعالى؟
والنبي - صلى الله عليه وسلم - يصف الجوف الذي لا قرآن فيه بالبيت الخَرِب؛ فهل للبيت الخَرِب أن يهدي صاحبه أو يهدي غيره؟
قد يقول قائل: هذا جانبٌ تعبُّدي خاص بين العبد وبين ربه، واللازم لتحقيق الوعي والفكر الصحيح هو النظر إلى الجانب العلمي.
فيقال لهؤلاء: ياللهِ كم أفسدت هذه المقولات دين الناس، وكم تشرَّب مُخنَّثو الفِكر أديان الجاهلة دون وعيٍّ وإدراك، إذْ لو فَقِهَ هؤلاء معنى العلم في دين الله -تعالى- لمَا قالوا هذا القول، ولو علموا أن العلم الممدوح لا يكون كذلك إلا بما يعطيه من هداية وتوفيق وإخبات وعبادة لمَا صرخوا هذه التُّرَّهات والجهالات، فأي علم مزعوم هذا لا يُحبب المرء بكتاب الله، وأيُّ علمٍ يظنه هؤلاء ولا يُقيم أرجلهم لأعمال الصالحين من صلاةٍ وقيامِ ليلٍ وكثرة ذِكر.
نعم، تُقال هذه التُّرَّهات ثم يتساءلون: لِمَ نَصَر الله الصحابة وهزمنا؟ ولِمَ وَفَّق الصحابة لكل خير وحرمنا؟ ولِمَ كثر الكلام اليوم وقلَّ العمل؟ وكم صَنَعت المناهج الجميلة المزخرفة لإزالة غربة الإسلام ولم نجني منها إلا زخارفها وجمال صورها؟
(1) الأنبياء: 10
(2) البقرة: 78