يُسمّى بـ «المُفكّر الإسلامي» هو أقلُّ الناس نظرًا في كتاب الله، وهو أقل الناس تعبُّدًا وإخباتًا، ومثله السياسي الإسلامي.
وكذلك من أسباب الإنصراف عن كتاب الله تعالى والتدبر فيه، انتشار مَقولة أن علم التفسير قد احترق، أي: قد جفَّ القلم فيه، وهذه يقولها الكثيرون اليوم على جهة التسليم لها، بل إن بعضهم قد سطّرها في كُتُب علمية تُدَرَّس للطلبة المبتدئين، ولمّا كان هؤلاء لا يُفرِّقون بين التفسير بالأثر وبين تدبر القرآن، وكان التفسير بالأثر أغلبه يتعلق بأسباب النزول أو بشرح المفردات وبيان معانيها التي لا يعلمها الناس، كان قولهم هذا، وكأن التفسير بالأثر - وهو ما خطّهُ الأوائل - يقضي على وجود التدبر وإحياء كتاب الله لحل نوازل الواقع ومشكلاته.
وما يُسمّى بالصحوة الإسلامية اليوم أغلبها يرفع شعار الأثر والعودة إليه، مع أن هذا مجرد شعار لا حقيقة له إلا في حقيقة واحدة وهي أن هؤلاء الرافعين لهذا الشعار إنما يعنون به إحياء حُروب الذاهبين التي قضى على أكثرها وذهبت مُبرراتها، وينسون معارك الإسلام العُظمى التي تقوم اليوم على إزالة الوجود الإسلامي كله أو محو معانيه على وجه ما حصل للأديان السابقة، ليتحول إلى شعار فقط مع محتوى شِركيّ جاهلي، وهي مهمة يقوم بها من يُسمَّون بـ «المُجددين الجُدُد» وبعض الناظرين لهؤلاء الرافعين لشعار الأثر لمّا رأوا تقليدًا سيئًا تحت دعوى الاجتهاد، أي أنهم لم يحيوا الأثر ليحلوا وقائع العصر ونوازله بل أَحْيوا معارك السابقين وآثارهم، ذهبوا إلى نوازل العصر بغير عِدَّة الكتاب والسُنّة بل بعمومات لا تصلح للمعارك، فالْتقوا مع الجاهلية بتفاصيلها وإن اختلفوا في أصل المرجعية، فهم يدعون بدعوات الجاهلية تحت ستار اسلامي، ويسمون هذا تنويرًا واعتدالًا.
بهذا الافتراق صار الناس إلى قسمين:
- أثريون يحاربون قضايا فرعية أو ذاهبة؛ يزعمون الانتساب للسلف.
- عصريون يذوبون في قيم الجاهلية؛ يزعمون التجديد والمعاصرة.
وكلاهما للأسباب المُتقدِّمة لا يرى في القرآن الهَدْي اللازم له، إذْ الأول إنما يستخدم أدلَّة القدماء في معاركهم القديمة، والثاني لا يعتقد في القرآن إلا أنه كتاب عمومات لا تصلح لحل المشاكل الشائكة التفصيلية لوقائع عصره وزمانه.
ومن أسباب هذه الدعوى العجيبة أن "تفسير القرآن نَضَج واحترَق" هو أن الناظر لمناهج التفسير يجدها في ظنه قد استوعبت العلوم، فهناك التفسير الفقهي واللغوي والأثري وغيرها، فيحسب هؤلاء أن هذه موضوعات القرآن، إذْ قد بين فيها وجوه الاختلاف، وتعدد الأقوال، والقرآن في حقيقتها أعظم من ذلك، إذْ هو منهج الهداية لوقائع الناس ونوازلهم،