تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ففيه مددهم ونورهم وهدايتهم، ولا يقع الناس في ظلمات البدع ولا يتساقط النّاكبون عن الطريق إلا بتَخلّيهم عن الكتاب وتلاوته، ولو رَصَدْتَ السِمة الجامعة لأهل البدع قديمًا وحديثًا، ولو قرأتَ أحوال المُتهافتين كالفَراش عند المُلمّات والابتلاءات لرأيتَ أن صِفَتهم الجامعة هي ترك الغذاء اللازم لتقوية إيمانهم وثباتهم وعلومهم وهو القرآن الكريم، وسبب الإعراض عن كتاب له عند هؤلاء القوم له وجوه؛ فمنهم من يعتقد أن القرآن ليس فيه العلوم اللازمة لنوازل عصرهم، وشأنهم في هذا هو شأن أهل البدع قديمًا الذين كانوا يقولون بأن الخطاب القرآني خطاب إنشائي يصلُح للعوام ومادَّة للقلب، وأما ما يلزمهم فهو الخطاب البُرهاني وهو مادة العقل، وأشباه هؤلاء اليوم كثير، فالقرآن عندهم كتاب أحكام شرعية - على أحسن ما يقولون -، أمَّا أنه كتاب الحياة في كل مواقفها ومنعطفاتها وهو الكتاب الهادي للإنسان لكل نَوازِله النفسية والاجتماعية والدعوية والسياسية فهذا ما لا يعتقدونه! بل ترى الذكي فيهم يستمد المَعالم التربوية والنفسية والسياسية من مصادر أهل الجاهلية، هذا مع رفعهم شعار الانتماء للسلف، دون أن يُبصروا منهج الصحابة - رضي الله عنهم - في هذا.

وإن شئتَ أن ترى عناية الأمة المسلمة اليوم بكتاب الله فانظر إلى عدد المُتفرِّغين من أهل العلم في مساجد المسلمين يشرحون للناس كتاب الله تعالى، ويحببونهم فيه ويكشفون لهم دُرَره ومعانيه، وإن شئتَ المقارنة فانظر اليوم إلى عناية الناس ببعض العلوم والتي هي أشبه بأعمال البرمجة والكَتَبَة مما يُسمّيه البعض - زورًا - بـ «عِلم الحديث» وقارن بين هذه الجهود والكتب بما يُكتب من علوم مُستنبَطَة من كتاب الله تَحُلُّ مشاكل ونوازل المسلمين في الواقع من حقائق وأفراد وجماعات وحكومات. وإن من أسباب الانصراف عن كتاب الله مزاعم الظاهرية القديمة والحديثة أن القرآن والسنة سواء، بل هناك من يعتقد أن السنة أبلغ في الدلالة على الأحكام من الكتاب، وهذا الاعتقاد يؤدي لزومًا إلى الذهاب للأبلغ، ولهذا تَجِد عناية البعض بالسنة شرحًا أكثر من عنايتهم بالقرآن تفسيرًا، هذا مع الإقرار أن الجهود التي تحتاجها السنة في باب التوثيق أكثر مما يحتاجه كتاب الله لوجود الخطأ والكذب في السنة دون الكتاب، وأن مَرْتَبتها تالية في الثبوت والدلالة كما يَعرف هذا كل من قرأ أقوال الصحابة في هذا الباب. (1)

كان عناية ما يُسمّى بالصحوة الإسلامية أكثر مما هي عليه الآن، لكن النظر في القرآن واستنباط معانيه يحتاج إلى شروط في العقل والنظر أشد مما يحتاجه الناظر لغيرها، ولذلك قد تجد الكثيرين في علوم الآلة أو ما يُسمّى بالفقهاء لكن أهل تفسير القرآن قليلون. أمّا عناية العاملين لدين الله تعالى بتلاوة القرآن الكريم والاجتهاد في حفظه على ما كان عليه الصحابة والتابعون فإنك لا تكاد تجد المُذاكرة بين الناس في هذا الباب، فأين ما كان يُذكر عن العلماء والعابدين والمصلحين من تحزيب القرآن والقيام به وإطالة الصلاة فيه؟ بل لعلك تجد من

(1) انظر كتاب [الفقيه والمُتَفقِّه] للخطيب البغدادي

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٢٩