تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3. في سورة فاطر ذَكر الله إرسال الريح وإثارتها السحاب الذي يسقي به البلاد المَيْتة فقال - جلَّ في عُلاه -: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (1)﴾، فهو سبحانه مُحيي الأرض بالماء، ومُسير السحاب بالريح، فقال بعدها: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (2)﴾ فبَيّن فيها طِيب وصلاح ما يُرفع إليه مقابل ما يَنزل على العباد من نِعَم، فجعل إقامة الشرع مقابل النِعَم في الذِكْر - جلَّ في عُلاه -

وهذا الخطاب القرآني كثيرٌ لِمن تأمَّله، والقصد هنا التمثيل حتى تعلم موقع قوله: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ بعد ذِكْره المثل السابق، وتُبْصر كيفية البناء القرآني، والذي لا يُدرَك إلا بالتفكر وإلحاق الشبيه بالشبيه، فإن القرآن كما قال تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا (3)﴾ ومن غير تَذوّق ذلك تُذْهب عنك الكثير من معانيه، وخاصة تلك المعاني التي تتعلق بوحدة السورة الموضوعية. فها هنا لمَّا ذكر الله حكمة الأمثال المضروبة في كتابه وقَصَر فهمها وإدراك مُرادها على أهل العلم، ذَكَر مقابلها حكمة الخلق بالحق وجَعل ذلك آية للمؤمنين.

قوله - سبحانه وتعالى -: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (4)﴾

لمّا ذَكر الله فضل أمثاله في كتابه وذَكر وَصْفُ العالِمين بها فإن الله - سبحانه وتعالى - أمر عباده جميعًا ورسوله - صلى الله عليه وسلم - خصوصًا بتلاوة كتابه والعمل بأوامره وأجَلّها الصلاة، ونهاهم عن موانع تحصيل علومه وتدبر آياته، وهي نواهي الكتاب المَتْلو، وجَعَل سبحانه ذِكْره أعظم ما يأتي العبد من طاعات، ولها معنى آخر وسيأتي.

قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ (5)﴾ هذه عِدَّة المؤمنين في رحلة الإيمان المُلتهبة بالمِحن والفتن والابتلاءات لا يصمد معها وفيها إلا بهذا الغذاء العظيم وهو كتاب الله تعالى،

(1) فاطر: 9

(2) فاطر: 10

(3) الزمر: 23

(4) العنكبوت: 45

(5) العنكبوت: 45

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٢٨