ضرب الله حقائق العقل التي توجب عليهم توحيده فقال بعدها: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ? ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (1)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لِّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (2)﴾ فالضمير في ﴿بِهِ﴾ و ﴿نُسْقِيَهُ﴾ يعود إلى الماء الطهور كما ترى، فتأتي الآية التالية بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ (3)﴾ والضمير يعود هنا إلى القرآن لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ? وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا ? فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (4)﴾، وهذا باب السمع الذي حَرَمه الكافرون، وقد جمع الله بين ما يُعقل وما يُسمع بضميرٍ واحدٍ لدلالتهما على حكمة الله تعالى وقدرته وعَظَمته، فهذه يَعقل المرء عليها وهذه يؤمن المرء بها، والعكس صحيح كذلك.
والقصد، أن ذِكْر الأمرين في سياق واحد هو منهج قرآني عظيم، مع أن اتحاد الضمير على الماء والقرآن له فوائد أخرى.
2. في سورة صاد بعد أن ذكر الله قصة داوود وأَمْره له سبحانه بإقامة العدل، أي: الحكم الشرعي، في قوله - سبحانه وتعالى -: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (5)﴾، قال ربنا بعدها مُبينًا اشتراك العدل في الأمر والخلق فقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (6)﴾ فمن ضَلَّ في حكمة الخَلْق ضَلَّ في اتّباع الشرع. ثم إن تأملتَ الآيتين بعد قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ﴾ تَعلم أن هذا الأمر وحِكْمته موجبُ حكمة الإيمان باليوم الآخر، وهو موجبُ النظر في كتاب الله والتدبر فيه فقال - سبحانه وتعالى -: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ? كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (7)﴾ فإن فقهتَ ذلك علمتَ كذلك كيف وقع بعد هذه الآية: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ وقوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ فإن الحال واحدٌ بينهما، وهو المعنى الذي تَقَدَّم ذِكْره.
(1) الفرقان: 45 - 46
(2) الفرقان: 49
(3) الفرقان: 50
(4) الفرقان: 50 - 52
(5) ص: 26
(6) ص: 27
(7) ص: 28 - 29