كما قال إبراهيم: ﴿تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ (1)
وكما قال - عليه السلام -: ﴿أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ (2)
وهنا يقول الله تعالى: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء﴾ (3)
وفي الآية التالية يقول الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ (4)
وفي ختام السورة كما سيأتي: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ﴾ (5)
فحَصْرُ الشرك والكفر في صورة واحدة جهلٌ بالقرآن وجهلٌ بواقع المشركين قديمًا وحديثًا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (6)
لقد كانت خيوط عنكبوتٍ وَاهِية، فهذه صورتها وهي في جوفها وجوهرها ليست بشيء؛ وهذا عِلْم الله بها لأنه ربُّها، فإن رآها الناس شيئًا فهي بيوت عنكبوت، ولحقائقها التي يَعْلمها الخبير بها وهو ربها ليست بشيء، صور فارغة وأسماء وَهْم وخيال، فلا تقدر على نفع أنفسها ولا على دفع الضر، فكيف لها أن تنفع غيرها أو تدفع الضر عنه؟
أمّا الله - سبحانه وتعالى - فهو العزيز المالك لأسباب العزة والقهر، وهو الحكيم الذي يُجري هذه العزة إلا على معنى الحكمة، فلا ظلم ولا شَطَط ولا عبث.
لقد كشف الله حال المعبودين حين سؤال العابدين لهم، فهم إمَّا في غفلةٍ عنهم لا يَأْبهون بشكواهم لانشغالهم بأنفسهم كما قال تعالى في سورة يونس: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ? فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (7)﴾ وإمّا أنهم لا يسمعون، وإن سمعوا فلا يقدرون على الإجابة كما قال تعالى في سورة فاطر: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ? إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (8)﴾ وقد ذَكَر الله عدم سماعهم في مواطن كما في خاتمة سورة الأعراف.
ومَن عَلِم هذا وعَلِم أن عدم السماع وعدم الاستجابة مما يُعاب على المعبود الباطل تيقّن أن الله سميع الدعاء مجيبٌ له كما قال إبراهيم الخليل: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيع الدُّعَاء﴾، ومن ظنّ في
(1) العنكبوت: 17
(2) العنكبوت: 25
(3) العنكبوت: 41
(4) العنكبوت: 42
(5) العنكبوت: 68
(6) العنكبوت: 42
(7) يونس: 28 - 29
(8) فاطر: 13 - 14