تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على نفسك كنتُ أنا في نفسك فحقَّ قول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (1)

نعم، كان كل ذلك إفكهم وكذبهم هو، وكان افتراؤهم على أنفسهم قبل افتراء غيرهم ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ (2) فصاروا يوم الكريهة عِبئًا عليهم، إذْ يطلبُ الآلهة الباطلة من أتباعهم أن يحملوا عنهم أو ينصرونهم، فلا تعرف يومها من هو السائل المحتاج بينهما، إذْ كلٌّ منهما يستغيثُ ويَستَنْجد.

إنه واقع الالتجاء والاستنصار بغير الله، وحقيقتهُ اتخاذ عبادة غير الله بكل صورها الجاهلية قديمًا وحديثًا، فهو واقع الباكي المُتَبتِّل للحجر، وواقعُ الواقف اللائذ بطواغيت البشر، وواقع الطواغيت المُحْتَمين بالجنود والعتاد دافعين بهم الحق وأولياء الله، كلهم لا يلوذون بشيء، وإن كانت ثمّة شيء فهي لبيوت العنكبوت، ولا يبقى فائزًا ناجيًا إلا من اعتصم بالله؛ لأن وعده الحق، وقوّته - جلَّ في عُلاه - نافذةٌ قادرةٌ على كل شيء.

وهذا مثل الأمان للمؤمنين وهم في طَوْر المحنة والابتلاء، فإنهم حين يرون إرادة أعدائهم نافذةٌ فيهم في أمرٍ من الأمور كما قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ (3) فلا يجوز لأذهانهم أن تظن أن وقوعَ هذا لِغَلَبَة إرادة الطواغيت إرادة الله، ولا لنفاذ قدرة الطواغيت فوق قدرة الله، إنما هو الابتلاء والمِحْنة يرفع الله بها أقوامًا ويذلُّ بها آخرين، يُجريه الله على معنى الحكمة التي تسير إلى مستقرها بهلاك الأعداء ونجاة الأولياء.

ثم هو مثل الحق للمؤمنين وهم يستصغرون كل قوى البشر المناوئين للحق مهما بَدَت لهم قوية قادرة، فهم الأعْلَون بإيمانهم لأن الله معهم، وما أمامهم إلا خيالات يَبتلي الله بها صدق الإيمان ليسمع الله منهم قول الإيمان: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (4) فالمعركة وإن جَرَت بين الجنود إلا أن حقائقها بين إرادة الله وقدرته وبين المناوئين له من الآلهة الباطلة، وكل ما هم فيه إنما هي خيوط بيت العنكبوت. فلا تَخْدعنّكم الصور ولا الزخرفات فما هي إلا كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ (5) وحين الامتحان فلن تنجلي إلا على وَهْمٍ خادع كاذب.

قوله تعالى: ﴿أَوْلِيَاءَهُ﴾ هكذا تتعدد وقائع الشرك في هذه السورة، فهي:

(1) الأحقاف: 28

(2) هود: 101

(3) النساء: 141

(4) البقرة: 249

(5) آل عمران: 175

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٢٣