تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عنكبوت يبني بيتًا، هو سطح من خيوط فقط، وهو الفُراض والعُمُد والسقْف، لا تقي شيئًا مما تقيه البيوت، لا يجمع بينها وبين حقائق البيوت ومسمياتها إلا الاسم، نعم تصيد به الهوام السخيفة السابحة بلا هُدَى، وتلتقط بها جاهلات مثلها تمشي بلا نور، لكن حين الغمرات لا تنفع شيئًا، بل هي خيوط واهنة؛ نحن لا نعرف من هذه الخيوط التي تصنعها العنكبوت إلا شِباكًا تصيدُ بها، لكن القرآن يكشف لنا أنها بيوت تلتجئ إليها عند المُلمَّات، وتفزعُ لحمايتها عند هجوم الخصوم، فماذا ينفعها هذا الوهم وهذا الخيال؟ ربما اغترَّت العنكبوت بهذا البيت الواهي حين رأت الذباب يسقط فيه فلا يفلت فظنَّتهُ لوهمها أنه أكبر الوجود، وأعظم البيوت، وأمتن الحصون، وكيف لا يكون كذلك وهو الذي يَلُف الذباب فيه لتمارس عليه العنكبوت مُتعتها بالمَصِّ والأكلِ والتعذيب.

يمضي الأتباع الصغار الجهلة على هذا المعنى، وهم يضربون بسيوف طواغيتهم جلود الناس وأبشارهم، ويرون أمامهم قطعان البشر ترتجف لذكر أسماء هؤلاء الطواغيت، فيَكبر الوهم أن هؤلاء الطواغيت آلهة الوجود، وهم الحصن الذي لا يُرام، فيتدثرون بهم، ويستكنون بظِلالهم، وبخيوطهم وأسمائهم يأكلون أموال الناس، ويظلمون، ويقتلون، وكلما امتد الزمن في هذا زاد الوهم، إذْ يبدأ بكذبة يصنعها الإنسان نفسه، ثم تكبر وهمًا حتى تستقر في نفوس صانعيها على وجه الحقيقة، وما أن يأتي الامتحان حتى يصحو بلا مأوى ولا ساتر، عاريًا أمام نفسه.

وأمّا وَهْمه لقد صاروا إلى أوْهَى البيوت، وكل ما سوى الله هو وَاهٍ على هذا المعنى، فليس بعد الله مُنتهى، إذْ لا غير الله هو أوهى البيوت، وليس بين قوة الله تعالى وأوهى البيوت من هو موصوف بأقل من هذه المبالغة ﴿أَوْهَنَ الْبُيُوتِ﴾

إن هذا الوجود كله بأبنية أهلِه الشاهقة المَتينة، وبأسلحة مَمَالِكه المَدمِّرة الخطيرة، وبأعداد الجنود، وبأموال الأغنياء هي أمام الله وقوته سطحًا واحدًا كما هو شأن بيت العنكبوت سطحًا واحدًا، وهو خيوط واهِيَة لا تدفع مراد الله إن أتاها، والناس يرون هذا جليًا، فحيث أتت جنود الله من زلزال أو بركان أو مياه فإنّه لا مَهْرب للإنسان من ذلك، ولا ملجأ له، وكأن ما كان فيه لم يكن شيئًا، فلا البيوت بيوت، ولا الموانِعُ حامِيَة، ولا عاصم يومها من أمر الله إلا من رحم.

فإن صرخ العابد بمعبوده، وإن ذَكّره بوعوده أنه الصدر الرحيم والحصن المنيع، أعرض عنه ويكاد يقول له: لقد كنتَ تعلم أني لم أكن شيئًا، بل أنت صنعتني بخضوعكَ لي، وبكذبك

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٢٢