تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكثرته تدل على سكوت المصلحين وإلا فإن الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (1)﴾ والمصلحون ليس المقصود بهم من يُنكر بلسانه أو بقلبه، بل إن الصلاح لا يقع إلا بالأخذ على أيدي الظلمة - كما في الحديث وقد تَقَدَّم -، فإن وقع العذاب وفي القوم صالحون فإن الصالحين يُبعثون على نياتهم كما في حديث الجيش الذي يغزو الكعبة آخر الزمان. والقصد، فإن هؤلاء المجرمين قد عُذبوا بذنوبهم، وكل له ذنبه الذي تقدَّم ذِكْره.

والآيات الكونية في العذاب بلا إهلاك كُلي للأُمم لم تتوقف، فكم وقع خسف وزلزال ذهب فيه أقوام ومثله الإغراق والبراكين، أو الحر الشديد أو البرد الشديد أو الريح العظيمة، لكن قد قلَّ الاعتبار فيها، ولم يعد أهل العلم يُنبّهون إلى حكمة الله فيها، بل استجاب الكثير منهم للزنادقة في استهزائهم بالتفسير القرآني لهذه الآيات، وأنها آيات تقع على العصاة والمُعرضين، وأنها تقع آيات على قدرة الله واستسلام العتاة والمجرمين أمامها، كما أن كثرتها ككثرة الزلازل والفتن من علامات يوم القيامة، والزنادقة إنما يردّون حكمة هذه الآيات بزعمهم أنها لا تصيب كل عاصٍ، فإنها تقع على أقوام دون أقوام، أو أنها تقع آثارها الأعظم على الفقراء دون غيرهم! وكل هذا من تلبيس سيّدهم الشيطان عليهم وعلى الناس، فأما وقوعها على قوم دون قوم فهذا شأن الآيات وتعدد وقائعها، فالناس قد ينتبهون إلى آية الزلزال العظيم لكن لا يرون آية تسليط الظالم على المُعرضين كما سلَّط الله فرعون على بني إسرائيل لظلمهم، وقد يرون آية البركان في مكان وهي تحصد المئات لكن لا يرون آية البركان على أهل الأموال وهي تؤلمهم في أموالهم، فالآيات تتعدد في الناس بحسب سنة الله في العقاب الملائم للأقوام، وأما أن آثارها على الفقراء دون الأغنياء فهو من جهالات الناس وقلة قراءتهم لهذه الآيات؛ ذلك لأن الفقراء هم الأكثر وأهل الثراء هم الأقل فقد تُحصي مئة قتيل فقير في مكان مع قارون واحد أو اثنين بينهم، والعذاب في الحصب أو الإغراق أو الخسف يصيب هؤلاء وهؤلاء لكن يمضي خبر قارون سريعًا وتبقى الآثار على الأكثر الباقين.

فقراءة الآيات الكونيّة يحتاج إلى علمٍ خاص، لا أن يتصدّى له الجهلة الذي لا يُتقنون إلا العمومات فإن جاؤوا لتفسير الأحداث على وجهٍ إيماني خَلطوا وجَهلوا وأتَوا بالعجائب التي تُضحك الثكلى.

وإنه من غرائب زاعمي الفكر والنظر في زماننا أنهم يسكتون ويخجلون عن ذكر هذه الآيات وارتباطها بالمعاصي والذنوب ثم هم يُعلقون على أعمال الجهاد ما يقع للناس من بلاء إيماني كالسجن والشهادة والهجرة الإبراهيمية، وبذلك يتخذون هذا التفسير سبيلًا لإبطال هذه الأعمال الإيمانية، ولو حضر هؤلاء ما وقع لأهل الأخدود من تحريق بسبب استجابتهم لدعوة

(1) هود: 117

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١١٩